تحدي جالوت : التجمع اليمني للإصلاح ونضاله من أجل التغيير السياسي (2006-2011)
مأرب برس
مأرب برس
 

هذا عرض لدراسة نالت بها الباحثة مرايكا ترانزفلد Mareike Transfield درجة الماجستير من قسم العلوم السياسية جامعة فريدرش الكسندر – ارلانجن بألمانيا خلال العام الدراسي 2011-2012م، وستطبع قريبا بإحدى دور النشر الألمانية. و قد عنّ لنا أن نقدم عرضا لهذه الدراسة لما لمسناه من أهمية عملية ونظرية في محتواها وطريقة عرضها للموضوع. تتكوَّن الأطروحة من فصل تمهيدي يعرض الموضوع والمنهج، يعقبه سبعة فصول تشكل لبَّ قضية البحث، ويتلو كل ذلك خاتمة ترصد أهم نتائج البحث وتوصياته.

عمدت الباحثة إلى التوسل بالنظرية الخاصة بدراسة النظم الشمولية، باعتبار أن حزب الإصلاح يعمل ضمن منظومة نظام شمولي هو النظام السائد خلال الفترة قيد البحث، ولكي تفهم مواقف الحزب وفاعليته السياسية خلال الفترة المحددة تجاه أهم الأحداث السياسية، وهي انتخابات2006، وانتخابات 2009م، وثورة الربيع اليمني 2011م، - حددت الباحثة مسارا للبحث يكشف بنية الحزب وتفاعله مع الأحداث وفقا لتك البنية. يتعرض الفصل الأول ( وهو المقدمة) لفرضية البحث ، ومداه الزمني، ومنهجيته، وخطاطته التكوينية. أما فرضية البحث فيمكن أن تُستنتج من خلال الأسئلة التي حاولت الباحثة الإجابة عنها، وهي: متى وكيف أصبح الإصلاح مهددا للنظام بعد أن كان حليفا له مدة ما يزيد على عقدٍ من الزمن؟ وكيف يمكن أن يفهم هذا المسار للحزب في ضوء أحداث الربيع العربي؟وبالإجابة عن هذه الأسئلة سيكون من الممكن فهم توجهات الإصلاح نحو الربيع العربي في سياق المعطيات المحلية والإقليمية. وتمضي الباحثة في مقاربتها تلك مفترضة أنَّ النظام على علاقة ضرورية بالدينميكيات الداخلية لحزب الإصلاح. وحتى تثبت ذلك وتضعه في إطار نظريٍّ منضبط، لجأت إلى توظيف أداة نظرية ذات قدرة تفسيرية عالية في النظرية الاجتماعية السياسية وهي " المجموعات الاستراتيجية والمجموعات القادرة على الصراع". وهي تفترض أن حزب التجمع اليمني للإصلاح " حقل فعلٍ" بقدر كونه " فاعلا"، وقد نظرت إليه في دراستها من الزاوية الأولى ، وهي كونه " حقلَ فعلٍ" فيه عدد من الفاعلين يتوزعون في علاقتهم بالنظام على مجموعتين رئيسيتين، هما: المجموعة الاستراتيجية، التي تسعى إلى بقاء الوضع القائم، و المجموعة القادرة على الصراع، وهي مجموعة تسعى إلى تغيير الوضع القائم. و قد رأت أن طبيعة سلوك الحزب تجاه النظام تعتمد على قدرة أيٍ من المجموعتين على الاستفادة من الإمكانات التنظيمية للحزب.

ومن هنا يصح للباحثة أن تصيغ فرضيتها السابقة على نحوٍ أكثر شمولا : " النظام على علاقة ضرورية بالدينميكيات الداخلية لحزب الإصلاح، والعلاقة بين الفاعلين علاقة ذات بنية أبوية جديدة Neopatrimonial ، ( مصطلح طُور عن نظريات ماكس فيبر لدراسة بعض النظم ذات الطابع الأبوي الجديد في أفريقيا خاصة، وفيها يقوم الراعي الأب باستخدام موارد الدولة لكسب الولاءات)، وهذا يعني بأنّ أي تغيير في النظام أو في ممارسته الأبوية سيؤثر في الدينميكيات الداخلية لحزب الإصلاح، وسيؤدي في نهاية الأمر إلى التأثير على سلوك الحزب تجاه النظام". وبعد أن تلخص الباحثة في الفصل الثاني أهم المصادر التي اعتمدتها في مقاربة الموضوع، تتتبع المسيرة التكوينية للإصلاح منذ بداياته في مطالع ستينيات القرن العشرين –بعد ثورتي اليمن- مستعرضة علاقته بالنخب الحاكمة حتى اندلاع انتفاضة 2011م. أما الفصل الرابع، فتوقفه الباحثة لما أسمته " كشف الغطاء" عن البناء التكويني للحزب، وفيه تكشف عن أهم الفاعلين في الحزب، ومصادر تمويلهم وقوتهم ،ومصالحهم، وفقا للأداة النظرية المعتمدة ( المجموعة الاستراتيجية والمجموعة القادرة على الصراع) ؛ حيث ترى أنَّ الحزب يتكوَّن من ثلاث فصائل رئيسية ، هي: الفصيل القبلي ( أسرة آل الأحمر ومن يتصل بهم)، والفصيل السلفي ( الزنداني و من يتصل به)، والفصيل الإخواني. و تقدم في نهاية هذا الفصل تقييما للقدرة التنظيمية والمؤسسية للحزب من أجل اختبار قدرته على إدارة الصراع.

يأتي الفصل الخامس ليفحص البناء التكويني للمجموعة الاستراتيجية الحاكمة و ليلقي ضوءاً على "البنية العليا" التي أسستها تلك المجموعة( لا تستخدما لباحثة مفهوم الطبقة خوفا من المحاذير الثقافية للمصطلح)، وعن الكيفية التي سعت بها إلى تدويم هيمنة تلك البنية. وبعد أن تورد الباحثة البدايات الأولى التي ترجع إلى سبعينيات القرن العشرين لتَكوُّن الطبقة العسكرية من سنحان في عهد الرئيس الحمدي ، الذي أزاح المشايخ و قرَّب العسكر ومنهم علي صالح- بعد ذلك ، تعالج الباحثة البنية التكوينية لتلك المجموعة، التي تتألف من دوائر متراصة على نحو تراتبي: ( دائرة الأسرة) أسرة الرئيس و أقاربه، (دائرة داخلية) مشايخ سنحان وبيت الأحمر والضباط العسكريون،( دائرة خارجية) نخب مختارة من مشايخ حاشد وبكيل وعلماء الدين، (دائرة التأثير الجمعي غير المتجانس) نخب مدنية من أسر قديمة حاكمة، ونخب تجارية تقليدية ، وتكنوقراط، وعناصر ذات تأثير جمعي ذي طابع حزبي أوقبلي. و إلى جانب ذلك، يفحص هذا الفصل النفوذ والتمويل لهذه المجموعة الأولجارشية التي تكاد تسيطر على كل الموارد الأساسية للبلد. وفي هذا السياق ، وبالاعتماد على مصادر أكاديمية وتقارير صحفية، تورد الباحثة بعض الحقائق والأرقام للمدى الذي وصل إليه تغوّل هذه المجموعة ( اقتصاديا وعسكريا) وما قابل ذلك من تدهور حاد في الوضع الاقتصادي والاجتماعي للمواطن اليمني، مع غياب للحريات، وفقدان للأمل في أي إصلاح سياسي.

وفي الفصل السادس تعرِّج الباحثة على أولى النقاط التي وضعتها معيارا لقياس فرضيتها، وهي انتخابات 2006م المحلية والرئاسية وسلوك الإصلاح تجاهها. وترى الباحثة أن العام 2005م يُعدُّ عاما مشهودا، ففيه كانت البدايات الحقيقة لما يسمى بـ"الربيع العربي"؛ حيث شهد هذا العام عددا من الاحتجاجات في الوطن العربي عامة، وفي اليمن خاصة، فقد نادى بعض المتظاهرين في صنعاء بعبارة " لا سنحان بعد اليوم" و أحرقت صور الرئيس، وتداعوا للذهاب إلى القصر الجمهوري لولا انتشار قوات الحرس الجمهوري ومنعهم من ذلك. وهو العام نفسه الذي تعرَّض فيه صالح للنقد والتوبيخ العنيف من الإدارة الأمريكية، التي رأت أنه لم يقم بأي إصلاحات، إلى درجة أن كوندليزا رايس قالت له في العاشر من نوفمبر من نفس العام بواشنطن دي سي : " إننا لن ننظر إليك كمرشح شرعي في الانتخابات المقبلة". وفي هذا العام نفسه قال صالح أمام الجماهير إنه لن يترشح للانتخابات المقبلة في إشارة للمعارضة بأن من حقهم تقديم مرشح لهم، وهي خطوة مدروسة لإضفاء الشرعية على نظامه في وجه أزمة المشروعية التي يشهدها النظام بسبب غياب التطوير الاقتصادي، والاصلاح السياسي. وما إنْ حلت انتخابات 2006 وووجه فيها صالح بمرشح حقيقي، وهو بن شملان، حتى ظهرت معالم الحرص على تدويم النظام. ورغم تقرير البعثة الأوروبية المادح للانتخابات، و مباركة بوش لصالح بتلك الانتخابات " الحرة والنزيهة" طبقا لعبارته، إلا أنها وفقا للنظريات التي تعالج الأنظمة الشمولية لا تعدو كونها آلية من أليات الخروج من أزمة المشروعية، و وسيلة من وسائل البناء الفوقي للنظام من أجل الاستمرار.

في المبحث الثاني من هذا الفصل تتناول الباحثة ما أسمته بـ" التغيرات الطارئة على البنية الأبوية: الشروخ الأولى في تحالفات النظام"، وفيه تعرض للأسباب التي أدت إلى توتر العلاقة بين أسرة الرئيس صالح ( الرئيس و أبنائه و أبناء أخيه) و أسرة الشيخ عبدالله الأحمر( الشيخ و أولاده). وبالاعتماد على عدد من الأدبيات الأجنبية المكتوبة عن اليمن، والتقارير المتاحة في السفارة الأمريكية خاصة، ترجع الباحثة أسباب الخلاف إلى قضية " توريث الحكم" التي جعلت صالح ومحالفيه من سنحان يتفقون على تولية أحمد بعد أبيه – نظرا لأن الرئيس هو من يملك الحق الدستوري في الحكم وهو صمام الأمان لبقاء السلطة والمال في أيدي المجموعة الحاكمة- وقد بدأت الترتيبات لهذا الأمر منذ العام 2001م، وبالموازة أخذ الرئيس في تهميش أسرة آل الأحمر شيئا فشيئا، وخصوصا الشيخ الطامح حميد الأحمر. وقد أخذ التهميش طابعا سلطويا عن طريق تولية أحمد الحرس الجمهوري، وتولية يحيى وطارق و آخرين من أبناء أخيه و أقربائه أهم المناصب الأمنية، كما أخذ طابعا تجاريا عندما عمد الرئيس وأبناؤه إلى الاستثمار في قطاع الاتصالات عن طريق اطلاق مشروع شبكة يمن موبايل لتكون منافسة لسبأ فون التي يملكها حميد. و علاوة على ذلك، تم التضييق على الشيخ حميد في مجال قطاع النفط الذي يتقاسم حصصا كبيرة منه كلٌّ من أسرة الرئيس و أسرة الأحمر والجنرال علي محسن الأحمر.

وفي سياق هذا التهميش تم الإعلاء من شأن الشيخ الشايف على حساب مكانة الشيخ عبدالله الأحمر. واحتدت وتيرة التوتر بين الطرفين عندما غادر الشيخ الأحمر في 2005م إلى السعودية، وعزي إلى مصدر قريب منه أنه ترك اليمن لعلي صالح. لقد كان الرئيس يدرك تماما أن الشيخ الأحمر في ذلك العام نفسه قد بلغ 70 عاما و أن أيامه باتت معدودة، و قد أدى دوره بوصفه عامل استقرار للنظام، أما أولاده فلن يكونوا بنفس الصفة تلك، ومن هنا بدأ في سياسة الاقصاء إلى درجة جعلت مستوى الثقة بين مكوني النظام تصل إلى الحضيض.

وعند هذه النقطة المفصلية التي يتجلى فيها الشرخ واضحا في بنية " المجموعة الاستراتيجية" يحدث ما ذهبت إليه فرضية البحث من أن أيَّ تغير في " بنية النظام" يستلزم ،ضرورةً، التغير في " ديناميكيات حزب الإصلاح". لقد اتجه التيار القبلي في الحزب ناحية المعارضة، ولاسيما مع دعم حميد لها، و إقرار أبيه له على ذلك من خلال صمته حيال هذا الأمر،و إنْ ظل في مواقفه العلنية مواليا للرئيس.

أما بالنسبة للشيخ الزنداني وجناحه السلفي داخل الحزب فقد ظل مواليا لصالح. وقد اتسمت العلاقة بين الزنداني وصالح بالطابع التكافلي. وبعد اتهام الولايات المتحدة الأمريكية الشيخ الزنداني بالارهاب و تقديم اسمه إلى مجلس الأمن بوصفه- حسب تلك الدعوى- داعما لأسامة بن لادن والقاعدة، اشتعلت موجة من الجدل في الصحافة اليمنية في الأعوام 2003 و 2005 و 2006 حول الزنداني وتلميذه المؤيد الذي احتجز في ألمانيا و أرسل إلى أمريكا بدعوى الارهاب. غير أن الرئيس صالح ظل يردد بأنه طلب من أمريكا إزالة اسم الزنداني من قائمة الارهاب. وعلى الرغم من طلب الأمريكان من صالح تسليم الزنداني ،فإنه ظل حريصا على الحفاظ عليه باعتباره – للشعبية التي يحظى بها- عاملا من عوامل استقرار نظامه.

لقد دخل الإصلاح انتخابات 2006 في ظل هذا التشكل الجديد لحزبه، و فيه أصبحت موارد الفصيل القبلي مسخرة لصالح مسار الحزب المعارض للنظام. أما الفصيل السلفي بقيادة الزنداني فقد ظل على ولائه للنظام، وقد بدا ذلك واضحا في الحملات الانتخابية التي بدأت في اغسطس 2006. وبذلك غدا الحزب "حقل فعلٍ" لتلك الأطراف.

افتتح صالح حملته الانتخابية ، في صورة رمزية دالة، أثناء حضوره حفل تخرج لدفعة من دفع جامعة الإيمان، و أعلن عن دعمه للجامعة ورئيسها. وأما مرشح المعارضة فيصل بن شملان الرجل التوافقي ،وغير المنتمي إلى أي حزب، والمشهود له بالصدق والنزاهة، والمقبول من اليسار واليمين على السواء، والمتمرس على العمل السياسي في الجنوب وبعد الوحدة، فقد اختار واحدا من الميادين الرياضية مكانا لبدء حملته. و أكد بن شملان على أن التغيير لن يتم، ما لم يضطلع به الشعب نفسه. استمرت الحملات التي أدى فيها الإصلاح دورا كبيرا من أجل إنجاح بن شملان وإحداث الاهتزاز الكبير في بنية النظام، ولم يتوان الشيخ الشاب حميد عن دعم حملة بن شملان.وفي تصريح له إلى السفارة الأمريكية قال بأنه قادر على تأمين ولاء القبائل لمرشح المعارضة وتسيير المسيرات المؤيدة له في العمق القبلي الشمالي (عمران)، وذلك ما تم فعلا، رغما عن محاولة صالح و أبنائه اخراج مسيرة مؤيدة له بعمران نفسها، ومحاولة الإعلام الرسمي رسم صورة أخرى مخالفة لما حصل. ظل الشيخ عبدالله الأحمر بعيدا عن أجواء الحملات كونه لايزال حتى ذلك الحين في رحلته العلاجية بالسعودية. لقد كان صالح يشعر بالمرارة للنشاط البارز الذي أبداه الشيخ الشاب. ولعل ذلك الأمر هو الذي حدا بالشيخ عبدالله الأحمر إلى أن ينتقد ابنه في تصريح أدلاه لصحيفة 26 سبتمبر مرجعا ما بدر من حميد بأنه مجرد دعاية انتخابية. وفي اليوم ذاته صرح الشيخ للصحوة لسان حال حزب الإصلاح بأن ما أبداه من موافقة للرئيس صالح شأن شخصي ولا يترتب عليه أي التزام للرئيس ولا لأي حزب. في نهاية المطاف فاز صالح بنسبة77 بالمائة، وهي نسبة محسوب حسابها كإجراء الانتخابات نفسها، والمراد منها هو إسناد شرعية النظام المتهاوية.

اطمأن النظام لنجاحه وأمعن في ممارسة تركيز السلطة في أيدي محتكريها، وتمهيد الطريق لخلافة أحمد علي لأبيه. ورغم ذلك فإن الانتخابات أسفرت عن تشكل جديد للاصلاح، أصبح يتحالف فيه الفصيل القبلي والفصيل الاخواني جنبا إلى جنب في معسكر المعارضة، فالشيخ حميد مال نحو المعارضة بصورة جلية، واكتفى والده بالتراخي مع المجموعة الاصلاحية القادرة على الصراع رغم بقائه في دائرة الجماعة الاستراتيجية، أما الفصيل السلفي بقيادة الزنداني فقد ظل مواليا للنظام طيلة الفترة الانتخابية كون مصالحه لازالت تقتضي البقاء في صف النظام، وهو الأمر الذي مكّن لهذا الفصيل من التمدد في السنوات التي تلت الانتخابات.

وعلى الرغم من النتيجة الظاهرة للانتخابات فقد استطاعت أحزاب اللقاء المشترك خوض الانتخابات دون اللجوء إلى العنف، و أصبح بمقدورها إيصال رسالتها إلى الجمهور في ظل منافسة سلمية لم يكن النظام يرغب في أن تكون كذلك؛ ولذلك لجأ النظام بعد اغلاق ملف الانتخابات إلى إغلاق فضاء الفعل السياسي و فرض حالة من الجمود، وهو الأمر الذي يؤكد ما تذهب إليه الدراسات المختصة بطبيعة الأنظمة الشمولية التي تمارس اللعبة السياسية "وكأنها ترسم بالمنقلة دائرة تضيّق فيها حدود المشاركة وتوسعها وفقا للتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها". وعلى الرغم من كل تلك المناورة، فقد ظلت أزمة مشروعية النظام قائمة، وهو الأمر الذي سمح للجماعة القادرة على الصراع في حزب الاصلاح على تعميق تلك الأزمة عن طريق استخدام مواردها وقدراتها التعبوية ، والعمل على تسيير المظاهرات وممارسة المقاطعة السياسية، وهو الأمر الذي كانت له انعكاساته السلبية على نظام صالح.

في الفصل السابع تتطرق الدراسة إلى النقطة الثانية من المجال الزمني للبحث، وهي انتخابات 2009 البرلمانية، و قد أتت هذه الانتخابات بعد نشوء تراتبية جديدة داخل الحزب، أصبح فيها للجماعة القادرة على الصراع " الإخوان وحليفهم الجديد الشيخ حميد" المكانة الأولى وأصبح للجماعة الاستراتيجية مكانة ثانوية، فبعد موت الشيخ عبدالله الأحمر و تهميش دور الزنداني في الحزب وميله إلى ممارسة أدواره في حقول أخرى جامعة الإيمان وهيئة العلماء، أصبح بمقدور الجماعة القادرة على الصراع أن تصادم النظام و أن تحتفظ بتحالفها الاستراتيجي مع بقية قوى المعارضة في إطار منظومة أحزاب اللقاء المشترك. وقد تعلمت المعارضة من انتخابات 2006 بأنها إن دخلت في انتخابات2009 فإنها ستساعد في إضفاء الشرعية على النظام، ومن هنا كان اختيارها مقاطعة الانتخابات لاسيما أنه أصبح بمقدورها تحريك الشارع وتعبئة الرأي العام. و مما شجعها على هذه الخطوة أن الاتحاد الأوروبي أعلن أنه لن يراقب الانتخابات في ظل مقاطعة المعارضة. وبذلك لم يبق أمام النظام الذي يعاني من أزمة فادحة جراء الحراك الثوري في الجنوب، والسخط العارم في الشمال إلا أن يؤجل الانتخابات حتى تتم الإصلاحات السياسية والاقتصادية المرغوبة. وبمقاطعة هذه الانتخابات أصبح حزب الإصلاح و أحزاب المعارضة خارج لعبة " تدوير الأطباق" التي أجادها النظام سنوات عديدة . وبذلك استطاعت الجماعة القادرة على الصراع مع منظومة المشترك على تفويت الفرصة على النظام بعد أن كانت تقدمها له مجانا، و استطاعت بذلك ، أيضا، أن تصيب شرعية النظام في مقتل.

و أخيرا يتعرض الفصل الثامن لحال " الإصلاح في الربيع العربي2011م" عندما انطلقت قوة ثالثة ليست من القوى المسيطرة على الحكم ولا من قوى المعارضة، تجوب شوارع المحافظات اليمنية مطالبة بإسقاط النظام امتدادا لموجة تونس ومصر وتوازيا مع الموجة الليبية ثم السورية. لقد اتاح هذا الخروج الكبير فرصة سياسية سانحة للقوى المعارضة ، ومنها الإصلاح، الذي أصبح كتلة معارضة موحدة بعد موت الأحمر وتهميش دور الزنداني. ففي ظل الزخم الثوري لهذه الجماهير الغفيرة أصبح بمقدور قوى المعارضة المناورة بحرية دون خوفٍ من قمع السلطة وارهابها.

وفي الطور الأول من هذه الانتفاضة الذي أعقب سقوط مبارك في مصر، والذي هب فيه المتظاهرون من فضاءات متعددة ليس لأحزاب اللقاء المشترك أي تأثير عليها، بادرت أحزاب المعارضة إلى الانضمام إلى حركة الاحتجاجات حتى لا تفقد شرعيتها في النظام القادم وإن كان لا يزال في ضمير الغيب. و قد أسعفتها الإمكانات التي تتوفر لدى حزب الإصلاح في ممارسة الضغط على النظام، وتم لها ذلك عن طريق الاستقواء بموجة الاحتجاجات العارمة. وعند هذا المنعطف ينضم الزنداني إلى المتظاهرين خوفا من فقدان الشرعية، وعلى نفس المنوال يشارك مشايعوه في ساحات الاعتصام جنبا إلى جنب مع غيرهم.

في الطور الثاني من الانتفاضة الشعبية ينضم إلى معسكر المعارضين بقية " الجماعة الاستراتيجية" في النظام ،اللواء علي محسن الأحمر والشيخ صادق الأحمر، وقد كان ذلك صبيحة جمعة الكرامة التي قتل فيها أكثر من خمسين متظاهرا في صنعاء. وقد كان هذا الانشقاق بداية التصدع في بنية " الهيمنة" التي ظل النظام محافظا عليها على مدار سنوات طويلة. وعلى إثر الضغط الدولي الذي وصل ذروته في نوفمبر من العام نفسه أجبر صالح على ترك السلطة ناقلا إياها إلى نائبه عبدربه منصور هادي. وبتشكيل حكومة الوفاق الوطني تقدمت المعارضة خطوة أكبر في سبيل إزاحة جزء كبير من هيمنة الجماعة المتمكنة من مقاليد الأمور. وعلى هذا الأساس تثبت الأداة النظرية" المجموعات القادرة على الصراع والمجموعات الاستراتيجية" قدرتها التفسيرية العالية في مقاربة المجتمعات السياسية ذات الطابع الأبوي الجديد.

و بناء على كل ذلك تصل الباحثة إلى عدد من الاستخلاصات النظرية المتعلقة بقدرة المعارضات على أن تكون مهددة لاستقرار الأنظمة ذات الطابع الشمولي:

1-على الرغم من تأثير العوامل التنظيمية( نظام حزب ما مثلا) على الفاعلين، فإن تأثير الذوات الفاعلة ذو أهمية خاصة . فالرغبة في الدخول في تحالفات عابرة للايديولوجيات من أجل مجابهة النظام أمر لا ينبغي إغفاله عند البحث عن الإجابة عن سؤال كيفية تحدي المعارضة للنظام و مدى قدرتها على زعزعة استقراره.

2-قدرة المعارضة على الصمود أمام سياسة " فرق تسد" أمر ذو أهمية بالغة عند مجابهة النظام.

3-تعاون النخب السياسية الراغبة في تغيير سياسة الأمر الواقع أمر جوهري من أجل الوقوف في وجه النظام بنجاح.

4-يتوقف التغيير السياسي على الاستمرار الدائب، و على قدرة القوى المعارضة على التعلم السياسي وتبني ما ثبت نجاعته من السياسات ، وما ثبت فاعليته من الظروف والملابسات.

5-من أجل فهم كيفية مجابهة القوى المعارضة للأنظمة لابد من الاعتراف بمصالح و أيديولوجيات الفاعلين من الأفراد والجماعات. فبعض الفاعلين الذين لا يريدون التغيير الثوري قد يكونون مع حصول إصلاح تدرجي. وهذا ذو دلالة مهمة عند محاولة معرفة كيفية تصرف الفاعلين عند تعرض الأنظمة لتحدٍ ما.

في نهاية بحثها ترى الباحثة أنه ليس من سبيل دراستها التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور في اليمن عامة، وداخل حزب الإصلاح خاصة، غير أن المعطيات تشير إلى أن حزب الإصلاح سيشهد إعادة هيكلة داخلية ستؤول لصالح الجماعة القادرة على الصراع (جماعة المعارضة: الإخوان)، وبذلك سيكون بمقدور الحزب التخفف من أعبائه التاريخية، خصوصا مع انعدام الفرصة أمام الفصيل القبلي في أن يلعب دورا مهما في المرحلة القادمة، و مع تهميش الجناح السلفي الذي سيؤول أمره إلى تشكيل حزب سلفي أو غير ذلك.

ومن دلالة عنوان البحث يستطيع المرء أن يرى أن الثنائية الضدية قد طغت على مسار البحث بين سلطة ومعارضة، فجالوت (رغم عدم إشارة الباحثة إلى أي دلالة للعنوان أو لسبب اختياره) رمز التسلط والاستحواذ في الذاكرة الدينية اليهودية والمسيحية والإسلامية، يقف عاجزا منهزما أمام بسطة العلم والجسم لطالوت (حسب السردية الإسلامية) وقوة نبوة داود (حسب السردية المسيحية اليهودية). وهو الأمر الذي يعزز تلك الثنائية الضاربة في عمق التاريخ الإنساني بين القوي المتسلط ظاهرا ، وهو ضعيف، والضعيف المهزوم ظاهرا وهو قوي، حسب الصياغة التاوية للمعادلة. بيد أن معطيات الواقع السياسي اليوم تشير إلى أن اليمن تشهد حالة من الصراع المتعدد الأقطاب، وهي حالة متأتية من توفر الفرصة السياسية بعد فترة الحرمان والجمود السياسيين. وهو الأمر الذي يرشح الحالة اليمنية- في حال نجاح الحوار الوطني- إلى أن ينجز نظاما سياسيا متعددا تغيب فيه حالة الثنائية القطبية بين الإسلاميين وغير الإسلاميين، كما هي الحال في تونس ومصر، و حالة الاستحواذ الأحادي، كما كانت الحال قبل ثورة الربيع العربي.

قراءة وعرض / عبدالسلام الربيدي

أكاديمي وباحث في المركز اليمني لقياس الرأي العام.

a.alrubaidi@yemenpolling.org


في الثلاثاء 21 مايو 2013 10:11:07 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
http://m1.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://m1.marebpress.com/articles.php?id=