ثنائية العسكر و«الإسلام السياسي» اليمن بحاجة لدولة مدنية
عبدالوهاب العمراني
عبدالوهاب العمراني

لعل ابرز ملامح المرحلة الحالية لبلدان الربيع العربي بعد العواصف المتلاحقة هو إثارة جملة من التساؤلات حول إخفاق تجارب ثورية واقتران ذلك بالجدل المتصاعد حول تداخل الديني بالسياسي ، ومن إفرازات (المبادرة الخليجية) بشأن ثورة اليمن هو توجه النخُب السياسية للحوار من اجل إيجاد صيغ ورؤى يُتفق عليها للخروج من المأزق ، وما يحدث في اليمن من التئام ألوان الطيف السياسي والفكري لحوار وطني انطلق منذ شهور ، وتجسيد لهذا الاتجاه الصحيح فيما لو أفضى وأفرز الحوار لمخرجات متفق عليها تنعكس بداهة  في تشريعات ودستور اليمن السعيد بحكمة أهلة  ، وتكاد اليمن  في بعض هذه المفردات تشابه بعض أنظمة الربيع العربي تحديدا  ، فمتلازمة الدين والسياسة كانت محور التجاذب والاستقطاب في كل تلك البلدان سياسيا ومذهبيا وزاد حدة بعد تداعيات الأحداث المؤسفة في مصر ، فاليمن لاتتناسب معه مفردات : القبيلة ولا الإسلام السياسي وكذا الجيش السياسي ، وإنما أجمالا فكل ما ينشده المواطن البسيط  ـ بل وكل مواطن سواء في اليمن وغيرها ولاسيما مواطني تلك البلدان التي عصفت بها رياح التغيير ـ هو دولة مدنية تسودها تلك القيم التي طالما تغنت بها الأنظمة دون أن تلقى تطبيقا حقيقيا على ارض الواقع ، كالمواطنة المتساوية التي تتساوى فيه الحقوق والواجبات والحرية والعدل الذي هو أساس الحكم وتوفير سبل العيش الكريم، ولكل مفردة من تلك القيم تفاصيل ومفاهيم لامجال هنا في مقالة صغيرة لتفسير وتوضيح مثل تلك القيم المشار اليها. 

أن إشكالية العلاقة بين الدين والسياسة في الفكر العربي لن تستطيع أن تتجاوز التركيبة الفكرية للعقل العربي الإسلامي وإنجرارها لأسسْ وتفاصيل تعود لاجتهادات البشر فليس هناك عصمة لحاكم أو مجموعة وعليه فيفترض بداهة تحكيم وترجيح ما يؤمن به منطق الواقع ومسايرة العصر وليس عيبا الاستفادة من تجارب أمم أخرى فتلامس وتلاقح الحضارات طبيعة اجتماعية منذ بداء تطور الأمم عبر العصور وهذا لب فكر علماء ومراجع عرب ومسلمين كابن خلدون في علم العمران وغيره كثيرون لامجال هنا للسرد.

وفي تصفح أولي لتاريخ الفكر السياسي الإسلامي في التجربة الإسلامية التاريخية ، يتضح بأن الدين الإسلامي بكل قيمه وتشريعاته ، لم يحدد شكلا محددا للدولة والسلطة ، وإنما حدد مجموعة من القيم والمبادئ الدستورية والسياسية ينبغي أن تسود وتتحكم في مؤسسة الدولة بصرف النظر عن شكلها ومسمياتها وعليه فالدولة في كل الأحوال وكل المجتمعات هى ضرورة من ضرورات الاجتماع الإنساني ، إذ تتحمل مسؤوليات ومهام كبرى في مسيرة المجتمع ، ولكن الإسلام لم يحدد شكلا خاصا للدولة ، وإجمالاً فجوهر الفكر الإسلامي في هذا السياق هو أن تكون الدولة بكل مسؤولياتها ومؤسساتها ، نتاج الحرية والشورى والعقد الاجتماعي المستند إلى حرية الاختيار ورضا الجماعة .. فالدولة ليست خارجة عن قيم الإسلام الكبرى كالعدالة والحرية والمساواة ، بل هي تجسيد لهما ، فالإسلام في كل تشريعاته وأحكامه ، يستند إلى الرضا وحرية الاختيار ، وليس من المعقول أن يبني نظامه السياسي بعيدا عن مقتضيات الحرية والشورى والعدالة ..

بعد اغتيال الخليفة عثمان بن عفان والفتنة الكبرى التي حدث ومن ثم نجاح معاوية في حربة كان التجربة الأولى لأول دولة إسلامية كانت تلك الفترة بمثابة علامة فارقة في التاريخ العربي الإسلامي حيث تبلور حينها فكرة الانتقال من فكرة الدولة الدينية البحتة إلى المصالح السياسية عندما تم إخضاع الدين والعقيدة لمنطق السياسة والدولة وتوظيفه فيها ، حينها رغم ان تلك الفترة كانت عصر الفتوحات الإسلامية وتوسعت رقعتها وهو الأمر نفسه في حضارة العرب والمسلمين في الأندلس وما تبعها من حضارات سادت ثم بادت لكنها كانت تحمل بذرة فنائها داخلها ، ومنذ تلك العصور وحتى يومنا هذا والصراع غدا سياسي يتلحف بالدين حينا وبدونه حينا آخر ، وأجمالاً فمحور الخلاف طيلة اربعة عشر قرنا يتلخص في الصراع على السلطة ، واستمر الأمر على هذا النحو حتى خضعت اغلب البلدان الإسلامية للخلافة العثمانية وقبل ان تصبح الرجل المريض وتنهار بدأت في البلدان العربية بلورة أفكار تحررية بديلة لتسلط العثمانيين والترك في أواخر عهدهم فتبلور تياران تيار قومي تحرري وآخر ديني ، حينها لم يكن الصراع بين التيارين المستحدثين ظاهرا لان الظروف العصيبة تجمعهما سوى من التخلص من الاحتلال العثماني التركي او الغربي الذي بداء حينها ولم يتضح الصراع الا بعد عقود ، وهنا يقتضي عدم الخلط داخل الحركة الإسلامية السياسية نفسها بين أطرافها وتياراتها المختلفة. فالعودة إلى الإسلام كمصدر ثابت لاستلهام قيم الأخوة والإنسانية ظاهرة مستقلة كلياً عن استخدام بعض الحركات السياسية له من أجل تدعيم مسيرتها نحو السلطة .وفي نظرة عابرة لتطور ونشؤ الدولة المدنية في الفكر الغربي فلاشك بأن نهضة تلك الأمم بعد فترة من الركود التي سادت تلك الأصقاع في القرون الوسطى وسيطرة الكنيسة ومنذ القرن الرابع عشر الميلادي انبلج عصر النهضة من ايطاليا تزامن ذلك ببداية تحولات نظرية للتحول للدولة المدنية بعيدا عن سيطرة الكنيسة ومن ثم وبمرور الزمن صارت واقعا ونموذجا انتشر في اغلب قارات العالم الحديث في دولة سيادة القانون التي يخضع لها جميع مواطنون الذين يساهمون في بناء مجتمعهم ودولتهم بمسئولية مشتركة بين تلك الشعوب وحكوماتهم على جملة أساس منها أن الشعب مصدر السلطة وبالتالي مشاركة المواطنين في الشئون العامة السياسية على قاعدة ان كل الناس سواسية في الحقوق والواجبات دون تمييز على أساس العقيدة او الجنس او اللون او المركز الاجتماعي وكذا المناطقي ونحو ذلك.

وأجمالا يجمع اغلب مفكري الأمة الإسلامية في شأن قضية الدين والسياسة على التمييز وليس الفصل في بينهما ، ولايعني ذلك حيادية الدين بل يبقى له نقاوته ومرجعيته ودوره في التشريعات.

وفي شكل الدولة اختلفت بلدان الشرق والغرب في تحديد تفاصيلها والعبرة بمضمونها التي ترتكز على دساتيرها في الحقوق المشار إليها التي تضمن جملة أسس أهمها كرامة المواطن ، و لكن الأهم هو مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية رغم در دول العالم الثالث والبلدان العربية تشير إلى ذلك لكن الإشكال إنها غدت مجرد نصوص مدونة لا تلقى تطبيقاً على ارض الواقع ، وفي الفكر الغربي يعتمد أساسا على مبدءا الفصل بين الدين والسياسة وهذه نقطة الارتكاز الأولى المسلط عليها الضوء في تداعيات ثورات الربيع العربي .

لقد استند الفكر الغربي على تراث غني لجهابذة في الفكر السياسي والإنساني لعل أبرزهم فلاسفة ماعُرف بعصر التنوير (جان لوك) و(جان جاك روسو) و(مونتسكيو) ، لوك هو الذي اشتهر بمقولته الناس يولدون أحرار وبداهة فقد سبقه الخليفة عمر بن الخطاب الذي قال متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتم أحرارا.

أما جان جاك روسو فقد هاجم التحكم واستبداد الحكم الديني ليحل محلة الجمهورية الاشتراكية القائمة على أساس التعاقد الحر بين جميع أفراد المجتمع ، ولاشك بأن تاريخ العرب والمسلمين غني بمثل هذه الأفكار المتماثلة ففي تاريخ الفكر السياسي الحديث العربي كانت أفكار الكواكبي تسير في هذا الاتجاه وغيره كثيرون في الفكر الإسلامي الغني بموروثه على مدى قرون.

بينما يذهب مونتسكيو إلى أهمية العقل والإنسانية والمواطنة وهى فضيلة سياسية في الدولة المدنية القائمة على التعدية الدستورية بما يصون كرامة المواطن ويحمي حقه في ممارسة معتقداته وأفكاره ، كما نبه إلى فكرة الفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية

وإجمالا يمكن القول بأن الدولة الإسلامية الممكنة اليوم هي الدولة المدنية الحق ذات المرجعية الإسلامية ، وهذا مدون في اغلب دساتير البلدان الإسلامية ولكن بصيغ متباينة ، والأحرى بهذه الأمم تطبيق دساتيرها فحسب .


في الخميس 29 أغسطس-آب 2013 06:15:37 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://m1.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://m1.marebpress.com/articles.php?id=21872