صنعاء تنفرد عن نظيراتها من العواصم

تنفرد العاصمة اليمنية صنعاء عن غيرها من المدن والمحافظات اليمنية وعن نظيرتها من العواصم العربية والإسلامية والدولية بتكنية الأسماء وتلقيبها جميعا دون تفريق بين شخصياتها وأصحابها الذين يتبوءون في بعض الأحيان مناصب كبيرة عسكرية ومدنية.. إذ من النادر أن تسمع صنعائيا "نسبة إلى صنعاء" ينادي شخصا باسمه المعروف والمكتوب في بطاقة هويته كمحمد أو علي أو احمد أو أي من أسماء العلم التي نعرفها ومكتوبة في بطائق الهوية والعائلية والشخصية.

الأسماء المعروفة هنا في صنعاء خصوصا في أزقة وحارات صنعاء القديمة المرصوفة بحجر البازلت والحبش والصعدي والمتدلية منها مصابيح الكهرباء الحديثة التي صنعت خصيصا لتلك الأزقة لكي تتشابه مع نسق الحياة الصنعائية وفنها المعماري القديم كأول ناطحات سحاب في العالم.. 

الأسماء هنا لا تنطق إلا نادرا كنوع من تعريف القادم الجديد من خارج صنعاء القديمة والدالف إليها، أما أهلها فأسماؤهم لا تخرج من إطار الألقاب المتحفة كالعزي والجمالي والصفي وغيرها من الألقاب التي تعرف بأسماء أصحابها جيدا.

يسمى محمد هنا في صنعاء القديمة بالعزي وينادى به ولا يكاد أي محمد يسمع اسمه بهذا النطق "محمد" إلا في الحالات الرسمية كالمرافق الحكومية وغيرها أو عندما يخرج من صنعاء القديمة إلى صنعاء الحديثة التي اختلط أهلها ببقية الشعوب والقبائل من أبناء المحافظات اليمنية والدول الأخرى الذين عادة لا يسكنون في صنعاء القديمة ويفضلون العيش خارج أسوارها لأسباب يطول شرحها أهمها الرافض المبطن من أبناء صنعاء القديمة لأي ساكن غريب بينهم واعتباره دخيلا لا يمكن التعايش معه إلا بعد مرور وقت طويل جدا حتى يألفوه ويألفهم ومن ثم يمكن التعامل معه والقبول به كأمر واقع لكنه يظل غريبا حتى باسمه الذي عاده ما يكون بمحافظته وليس بعائلته كالتعزي والريمي والذماري والإبي والحديدي والعدني وغيرها من الأسماء الدالة على المحافظات وليس على الشخصيات أو العائلات أو الألقاب.

 كما هو الحال مع محمد فهناك علي الملقب بالجمالي واحمد الملقب بالصفي وعبد الله الملقب بالفخري ويحي الملقب بالعماد وقاسم الملقب بالضياء وغيرها من الأسماء والألقاب التي تشعر صاحبها بألفة المكان وحميمية العلاقات بين أبناء صنعاء القديمة خصوصا عندما يتم مناداتهم بشئ من الغنج والدلع كنطق العزي بالعزوزي ونطق الصفي بصفي الرحمن ونطق العماد بعماد الدين وعيرها من الزيادات المستحبة والمتداولة بين سكان صنعاء القديمة.

كما تنفرد صنعاء بخاصية الكنى والألقاب فهي أيضاً تنفرد بأشياء كثيرة تحاول قدر الإمكان المحافظة عليها أهمها المحافظة على حميمية المكان برفض أي دخيل أو غريب إذ يتم التعامل بين البيوت والمنازل والعائلات على أساس القرى والمدن الصغيرة فالمرأة الكبيرة لا يمكن مناداتها من أي صنعائي أو صنعائية إلا بأمي والرجل العجوز أيضا يلقب بأبي ولا يمكن لأي غريب قادم من خارج صنعاء أن يعرف الأب الحقيقي والأم الحقيقية لصاحبه إلا بعد مرور الوقت لأنه سيفاجأ بأن صاحبه يُسلم ويخدم ويحب ويبوس كل من صادفه كبيرا في السن ويلقبه أو يناديه بـ"يابه أو يمُه" أي يا أبي أو يا أمي دون أن يذكر أسماءً.

كما أن هناك العديد من العادات والتقاليد التي تنفرد بها صنعاء القديمة عن غيرها من المحافظات اليمنية بل وعن صنعاء الحديثة كالمناسبات السعيدة في الأعياد والجمع والموالد وأيام الحج وطقوس توديع الحجيج واستقبالهم إلى غيرها من العادات والتقاليد والطقوس التي يحرص أبناء صنعاء على المحافظة عليها وإحيائها، ومؤخرا قام احد رجال الأعمال المعروفين وهو من صنعاء القديمة لكنه خرج إلى حياة القصور والفلل والأحياء الراقية مجاراة لتجارته ومركزه المالي ومنصبه الحكومي كعضو في مجلس الشورى، قام مؤخرا بدفع تكاليف كبيرة لإحياء بعض العادات الصنعائية القديمة التي شارفت على الاندثار وأقام العديد من مداره الحجيج التي يتم توديع واستقبال الحجيج فيها وهي مداره أشبه ما تكون بمداره وأراجيح الأطفال المعروفة في الحدائق العامة وألعابهم المفضلة لكنها تختلف بالمنشدين والطقوس التي تؤدى عليها توديع الحاج أو استقباله.

تقول الاديبة الكويتية المعروفة ليلى العثمان واصفة صنعاء "قد لا تعلمون إن صنعاء في شهر يوليو يبدأ ربيعها الزاهي فتصير عروسا ترتدي حلتها الخضراء تتزين بالورود وعقود الفل ذي الرائحة الصاخبة، وتتبلل بالمطر الذي تغتسل به بين حين وآخر، وكأنها في كل مرة تستعد لزفاف جديد، جوها بارد ونسيمها لا يختلف عن نسائم جبل لبنان او جبال سويسرا، فنادقها فخمة لمن اعتاد الترف (أمثالنا نحن أهل الخليج) وفنادق أخرى بسيطة مبنية على الطراز اليمني القديم القريبة من "باب اليمن" حيث الأسواق القديمة الشعبية والمتاحف والآثار التي تبرز الحضارة القديمة وجماليات العمارة التي تنفرد بها صنعاء من دون كل المدن، وغالبا ما يختارها السياح الأجانب من يستهويهم بشكل كبير تاريخ المدن القديمة.

أخيراً فإن صنعاء كما يقول الباحث حمود احمد مثنى إعجاز معماري حضاري ولكنها لمصلحة كل الأمة فيها يحظى الإنسان في الحياتين بإبداع جمالي وإلهي وتتساوى مع نفس مضمون المعجزات الأخرى، التفرد في الهندسة والتخطيط، والعبقرية في التنفيذ وروح الفن الجمالي المتعدد كتشكيلية من الفن المتجسد بذاته المصاحب لبناء المدينة ابتداءً من اختيار نوع المادة التي يتم بها البناء، فالياجور (الطوب المحروق) وكأنها مرجان البحر والحجارة تجمع في لونها أنواع العقيق اليماني، ونقش البناء المغلف بالجص وكأنه عقد لؤلؤ على رأس وخاصرة العروس اليمانية صنعاء، وكل شيء في بناء صنعاء منازلها، نوافذها، وقمرياتها التي تحتوي على ألوان الطيف ما عدا السواد تضيء وتتلألأ ليلاً ونهاراً إلى داخل المنزل والى خارجه فيتمتع الجميع بها فيشاهد الناظر صنعاء ليلاً من بعد أو من الجبال المحيطة بها، وكأنها نجوم السماء تنعكس من سطح بحيرة.

وكل المدن الأخرى في العالم تلتهمها النيران وتحترق باستثناء صنعاء، فإن المساكن المبنية بالحجر أو الآجر ومن الخشب المغطى بالجص قليلة التأثر بالنار، وأكثر قدرة على مقاومة النار التي أضرمت فيها.


في السبت 11 نوفمبر-تشرين الثاني 2006 06:10:29 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://m1.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://m1.marebpress.com/articles.php?id=718