تركيا.. أصنام تتهاوي وأنظمة متآمرة تتباكى (!)
د. حسن شمسان
د. حسن شمسان

كنت قبل عام تقريبا قد كتبت مقالا عن تركيا بعنوان (أصنام تركيا)؛ كناية عن الاتفاقيات التركية الإسرائيلية التي من خلالها قامت إسرائيل بتكبيل الدور التركي وسرقت أدواره الرائدة تجاه أمته - وهو الشيء نفسه الذي حدث لمصر في الاتفاقية الملعونة- وكان ذلك الوضع أي في تركيا؛ قائم قبل أن تصل حكومة أردوغان إلى سدة الحكم؛ وكان في الوقت نفسه يخيم على الأنظمة العربية السكوت تجاه تخاذل الموقف التركي العلماني؛ لأنه كان موافقا لمواقفها المتواطئة؛ بيد أنه لما تغير حال تركيا بوصول حكومة أردوغان - بين قوسين- [الإسلامية] إلى سدة الحكم؛ وكان لمواقف أردوغان - رئيس الحكومة - صوت عال ومدوٍ بلغ به أسماع الشعوب العربية/الإسلامية ونال به احترامهم؛ فكانت هذه المواقف مشرفة وزاهية من جانب الشعوب ومخجلة ومخزية من جانب أنظمتها التي لم تعرف منها شعوبها سوى الخنوع الذليل والمخزي تجاه الغطرسة الإسرائيلية المقيتة؛ لهذا ما فتئت تلك الأنظمة بعد ذيع صيت مواقف أردوغان المشرفة والإشادة بها من لدن شعوبها؛ أن سعت سعيها محاولة تشويه صورة تلك المواقف ببث الشائعات والوشايات حولها.

وقد وجدت تلك الأنظمة في تلك الاتفاقيات ضالتها؛ لتدس في العسل سمومها؛ وتجعلها أكلة دسمة تنهل منها وسائل الأعلام الرسمي للمتآمرين والذين هم للدور التركي المشرف كارهين؛ بقصد تشويهه والانتقاص منه ووصم رئيس حكومة تركيا بالمتناقض؛ إذ كيف – حسب أراجيفهم - يقف مثل تلك المواقف مع غزة – مثلا- ضد إسرائيل ودولته في الوقت نفسه موقعة اتفاقية تطبيع وتعاون عسكري واقتصادي معها، وقد أسمع المتآمرون والحاقدون تركيا من وراء تلك الاتفاقيات أذى كثيرا من الوشايات؛ تمثل في أنها إنما تستغل القضية الفلسطينية وأحداث غزة بالذات لأجل مصالحها الخاصة؛ وحتى تضطلع بدور إقليمي قوي في منطقة الشرط الأوسط وتصبح لاعبا أساسيا في المنطقة بجانب الدول الكبرى.

وتركيا حينها لم تصغ لمثل ادعاء فج ومقيت؛ كونه لم يراع الظروف التي وصلت فيها حكومة تركيا إلى سدة الحكم؛ وكون تركيا هي الوحيدة التي تدرك ما هو المهم والأهم في مثل تلك ظروف؛ وما كانت أبدا لتقدم المهم على الأهم؛ إذ كان الأهم حينها هو ترتيب البيت التركي والتخلص من الجبهة الداخلية المتمثلة في الجيش؛ التي كانت تقف حائلا بين الحركة الإسلامية وبين ما تشتهيه من بناء دولة مدنية حديثة؛ لهذا كان من أول أولويات حكومة أردوغان هي تفكيك هذه الجبهة الداخلية حتى يتسنى لها ترتيب بيتها الداخلي وتغير الدستور والقوانين بما يتماشى مع نجاح مشروع الدولة المدنية الحديثة، وبالتالي يكون فتح جبهة ثانية في مثل تلك ظروف قد يفقدها هدفها الأهم وقد تخسر الأمرين معا المهم والأهم؛ لهذا أخذ أردوغان بمبدأ التدرج والمرحلية حتى تكون النتائج إيجابية.

وما ضرت مرحلة ترتيب البيت المؤمن في العصر المكي تلك الأصنام التي كانت تجثم جوار الكعبة، وفي الوقت نفسه لم تمنع الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته من أن يؤدوا نسكهم وترانيمهم مع أنها كانت قرابة 360 صنما؛ ولم يكن ذلك الفعل حبا في حكومة قريش أو أصنامها أو دليل رضا بذلك الوضع، ولا يعني أن العصبة المؤمنة كانت تقيم علاقات مع حكومة قريش – إذا جاز التعبير - وهو في ذات الوقت يدعو إلى مبادئ دين جديد ينبذ الشرك والأصنام؛ فهل يعول ذلك القول بأن العصبة المؤمنة وقعت في تناقض ؟ أم أنها سنة التدرج والمرحلية التي لا يمكن تجاوزها في بناء الدولة الإسلامية؛ لكنها طبيعة الواشين والمتآمرين والحاقدين؛ يقرؤون بعين واحدة وينظرون للأحداث من زاوية واحدة، ويفسرونها كما يحلو لهم وبما يتماشى مع مصالحهم؛ فكل همهم هو ألا تنجح أول تجربة إسلامية من نوعها وصلت إلى سدت الحكم؛ لهذا سعت هذه القوى سعيها في تشويه صورتها؛ لأن نجاح هذه التجربة من شأنه أن يقض مناهم بل ويزلزل عروشهم.

ولما تم لأردوغان ما أراد ورتب بيته التركي وتحقق له مشروع الدولة المدنية ذات الصبغة الإسلامية؛ تفرغ بعدها إلى قضايا أمته والوقوف أمام غطرسة إسرائيل، والتخلص من القيود التي كبلت الدور التركي تجاه الأمة الإسلامية حكومات سابقة، ولما كانت إزالة تلك الأصنام هي هم تركيا الثاني حقق الله لها ذلك الأمر؛ عندما شرعت بعد ترتيب بيتها بإرسال قافلة الحرية التي كان التمثيل التركي فيها كبيرا ولعله مدبرا لأمر اقتضاه الله؛ وبينما تركيا تريد فك حصار غزة عبر تلك القافلة ورسالتها إلى العالم؛ تحقق لها أمر ليس بأقل من فك حصار غزة - إذ حالت دونها غطرسة إسرائيل المعهودة- وهو أنه كان بداية لفك حصار تركيا ودورها الريادي تجاه أمتها؛ لتتهاوي بفعل إسرائيل الغبي تجاه مجزرة لم تكن مضطرة إليها؛ كل تلك الأصنام صنما تلو صنم وكان آخرها وأقربها إلى مسامعنا طرد السفير الإسرائيلي من تركيا؛ وحصل لهذه الأخيرة ما كانت تتمنى؛ لتنقض إسرائيل بيدها غزلها من بعد قوة أنكاثا، لنسجل هنا لأردوغان حصافة سياسية منقطعة النظير؛ فهو بحكمته وذكائه جعل نقض الاتفاقية بيد إسرائيل؛ لأن هذه الأخيرة دائما تركب غباءها وتكرر حماقاتها الكبيرة؛ حيث إنها بعد قتلها التسعة أتراك ولم تكن مضطرة، ما فتئت لترتكب الحماقة نفسها عندما أبت أن تقدم لتركيا اعتذارها؛ ولعل الله فعلا أراد لتركيا ما تتمناه من فكل حصارها وتنبذ كل اتفاقياتها مع إسرائيل والتي كانت في الوقت نفسه محل نقد لاذع من قبل أبواق الأنظمة المتآمرة، لنرى إسرائيل تظهر في موقف ذليل ودفاعي لأول مرة، وتتعهد إلا تسمح لتدهور العلاقات بينها وبين تركيا ثانية، بعدما وصفت ما يحدث من ثورات عربية بأنه زلزال، لتعلن قبولها بمبادرة السلام كتنازل أول منها حيث إنها قد رفضتها زمنا طويلا؛؛ لتجعل نفسها في صورة زعيم عربي في طريقه إلى الخلع يبدأ بالتنازل تلو التنازل؛ وها هو أو تنازل من إسرائيل تجاه ما سمته زلزال فريد من نوعه منذ زمن؛ إذ هي اعتادت في زمن حياة الأنظمة هدوءا ذليلا وسكونا مقيتا أكبر مبلغه من القوة التنديد، وقبول إسرائيل مبادرة السلام جاء في الوقت الضائع لهذا هي مضطرة لأن تتنازل أكثر بلغة البلاطجة الذين يسمون إرجاع الحقوق إلى أهلها من الطغاة تنازلات؛ وهي ما أبدت ذلك القبول والتنازل إلا لأنها تعلم - يقينا - أن صيحات الثورات التي سمتها زلزال متوجهة صوبها في المقام الأول وهو ما اضطرها لتضع في صورة زعيم عربي نفسها؛ ولتجعل نفسها في الوقت نفسه العدو الأصيل تجاه تلك الصيحات، كما يجعل النظام نفسه ذلك الموضع تجاه الثورات، ولما كانت صيحات الثورات هي أسمع صيحات موجهة ضد إسرائيل لم تجد الأخيرة من بد في جعل نفسها العدول الأول والأصيل للثورات وصدق الله الخبير العليم إذ قال عن اليهود - ومن أصدق من الله قيلا: (يحسبون كل صيحة عليهم هو العدو فاحذرهم).

وبحماقة إسرائيل وحنكة وحكمة أردوغان كان لتركيا ما كان من قدوم زمن تهاوي الأصنام، بيد أنه لما جاء زمن الأصنام لتتهاوى؛ تداعت الأنظمة لتتباكى ويتمثل هذا التباكي فيما تروج له أبواقها من الشائعات؛ فتلك الاتفاقية التي كانت في الأمس القريب محل ذم ولوم لتركيا لتمسكها بها؛ أصبحت نفسها مصدر ذم ولوم لتركيا عندما أرادت أن تنفض يدها منها، ليطلقون التهم تلو التهم عليها عندما رفعت سقف احتجاجاتها على الغطرسة الإسرائيلية بطرد سفيرها، فلم يعجب مشيعي الشائعات وتابعي الأنظمة بقاء تلك الأصنام ولا زوالها، ليتأكد للمتابع أن الذي أغضب المتآمرين هو وصول الإسلاميين إلى سدة الحكم وصبغتهم الإسلامية لوجه تركيا الحديث هي من منعت تركيا من أن تجد لها موضع قدم في الاتحاد الأوربي؛ خاصة بعد أن اكتملت الشروط التي تؤهلها لذلك الانضمام سوى انتقاض شرط واحد وهو أنها تدين بدين الرب الصحيح، في حين هو يدين بدين المسيح؛ لتقع تركيا في المطب نفسه الذي وقعت فيه اليمن؛ إذ الذي حال دون انضمام هذه الأخيرة إلى الاتحاد الملكي؛ أنها تدين بدين الرئيس لا بدين الملك الذي تدين به دول الخليج؛ فلا تركيا إذا ستنظم إلى الاتحاد الأوروبي حتى تتخلى عن صبغتها الإسلامية أو يتخلى هو عن صبغته المسيحية، ولا جمهورية اليمن ستنظم إلى المجلس الخليجي حتى تتخلى عن نظامها الجمهوري أو يتخلى هو عن نظامه الملكي وهذا من سابع المستحيلات .

إن تهمة الواشين لتركيا إذا؛ هي أنها تريد هذه المرة – فعلا - أن تجد لها موطئ قدم في الشرق الأوسط بعد أن يئست - للسبب السابق - أن تجد الموطئ نفسه في الاتحاد الأوروبي؛ وهذا هو السبب الوحيد – برأي الواشين- وراء موقف تركيا برفع سقف احتجاجاتها تجاه إسرائيل؛ وإلا فإن حقيقة أمرها مثل الأنظمة العربية التي لا يهمها سوى مصلحتها الذاتية ولا تهمها مصلحة شعبها التركي ولا بقية الشعوب العربية وكل موقفها لست سوى مسرحية ولما كان حال الأنظمة العربية فعلا هكذا لن يسعنا إلا أن نقول مستدعين المثل العربي "كل إناء بما فيه ينضح" والغريب أن الأنظمة الفاشلة أمام حكومة تركيا الناجحة والرائدة وقفت لتنصح، ومما في داخلها تنضح؛ وكأن على تركيا أن تتلقى التعليمات من لدن هذه الأنظمة لتحدد متى ترفع تركيا سقف احتجاجها ومتى تستمر منكسة مثلها رأسها، فلما لم تجد من تركيا إلا شموخ رأسها لم تجد الأنظمة بدا من أن تنزل بها وشاياتها لتغطي فشلها وانتكاستها.

لقد أصبح معلوم من المصالح بالضرورة؛ أن مصلحة الغرب - وأمريكا تحديدا - تكمن في استقرار إسرائيل وبقاء سيادتها المتغطرسة في المنطقة، ومن المعلوم أن هذه السيادة ما كانت لتكون لولا تدهور صحة القلبين العربي/الإسلامي؛ فكان منها التآمر على دور مصر وتركيا، فالأولى كانت تمثل القلب العربي والثانية الإسلامي، وإسرائيل هي بالطبع تفقه تراثنا الديني أو أبجديات ديننا الإسلامي جيدا؛ لهذا تبنت قاعدة القلب المريض لتضع عليها قواعد دولتها؛ وأقصد بالقلب المريض نصا نبويا شريفا سأقتبسه من حديث طويل وهو ما نصه: "وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله"؛ فكان من إسرائيل أن سعت سعيها لتحصل غايتها فأفسدت مصر وتركيا وتداعى الفساد على إثره إلى جميع الجسد العربي/الإسلامي؛ فكان لإسرائيل أن تصنع ما تشاء فهي في ضل أنظمة عربية وإسلامية متواطئة لا تُسأَل عما تفعل وهم يسألون.

وعندما تعافى القلب الإسلامي ورجع إلى سابق عهده وأعاد معه دور تركيا الرائد في مناصرة قاضيا أمتها، وخاصة ما يخص قضية فلسطين، تسارع الأنظمة ببث سمومها؛ ليصبح كل من يناصر القضية الفلسطينية متهما لديها، وتركيا مثلت إرادة شعبها، وقد كانت إرادة الشعب المصري واضحة تجاه سفارة إسرائيل وسفيرها، وكيف فر هذا الأخير عندما تسيدت إرادة الشعب وقد كان مصانا في ظل نظام مبارك؛ بيد أن موقف الشعب المصري كان غير موفق تجاه ما أحدثه في السفارة الإسرائيلية من أعمال تخريبية؛ لأنه لم يراع أبجديات التغيير من التدرج والمرحلية؛ إذ هو ما زال يعاني من ثورة مضادة تحول دونه ودون ترتيب بيته المصري؛ فمن الخطأ في مثل هذا توقيت فتح أكثر من جبهة داخلية وخارجية؛ مع أنني أكاد أجزم أن وراء ما حصل للسفارة الإسرائيلية في مصر مكيدة من بقية نظام مبارك، فبناء ذلك الجدار وفي مثل هذا توقيت تتداعى فيه جدر إسرائيل؛ قد استفز المصريين وإلا فأنه ليس من مصلحة مصر ولا ثورتها أن تتوتر الأجواء بينها وبين إسرائيل؛ وهو النفق نفسه الذي كان المتآمرون يريدون جر تركيا إليه ساعة تولي حكومة أردوغان الحكم؛ لكن الأخيرة فوتت عليهم ذلك وتفرغت لترتيب بيتها التركي أولا وهو عين الصواب. 

وما زلنا في زمن تعافي القلب العربي وجسده؛ فدعوني أتحفظ على ما يسمه المتآمرون [موطئ قدم] تبحث عنه تركيا في الوطن العربي؛ فلسان حال الشعوب العربية المحب لتركيا يقول لها قد حان الزمن لتضع لك وفي أرضك وبين أهلك وأمتك أساسات مقعد صدق؛ فنحن في زمن حياة شعوب وموت الأنظمة، وشعوب أخرى تنتظر وأنظمة من الخوف تحتضر، وقريبا تعود المياه إلى مجريها بتلاقي القلبين/القطرين المصري/التركي؛ ليكونا على قلب قطر واحد، وتجتمع الأنظمة العربية/الإسلامي المعبرة عن إرادة الشعوب؛ لتكون على قلب نظام واحد؛ ما دامت الشعوب قد أكدت وحدتها ثوراتها لتجتمع هي الأخرى على قلب شعب واحد؛ وحتى يتصل القلب بالجسد؛ فإذا ما اشتكى من جزء – كالشعب الفلسطيني – مثلا – تداعى له سائر الجسد العربي؛ وهذا يعني أن على إسرائيل أن تبدأ الحساب المنطقي الآن وليس غدا، وتبدأ العد التنازلي لغطرستها وتنتظر نهايتها الحتمية؛ فالقلب تعافى وهي إنما بنت قواعد دولتها على أساسات قلب مريض؛ وها هي قد وعت الدرس تماما باعترافها بأن ما يحدث في الوطن العربي زلزال لن يأتي إن شاء الله إلا على قواعدها حتى لا تقوم لها قائمة بعد ذلك.


في الثلاثاء 13 سبتمبر-أيلول 2011 05:55:24 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://m1.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://m1.marebpress.com/articles.php?id=11578