ثورة التحرير والاستقلال
باسم الشعبي
باسم الشعبي

لا يكون المجتمع مستعدا ومهيئا للتعاطي مع الأفكار الجديدة ما لم يكن قد تخلص من أثقال وأوزار التجارب السابقة, لا سيما تلك التي تعيد إنتاج نفسها ككابح لعملية التقدم والنمو.

في مجتمعاتنا العربية, فعلت التجارب السياسية والاجتماعية المختلفة فعلها في جعل العقل البشري يعيش حالة اغتراب مع واقعه عاجزا عن تطوير الفكرة أو إنتاجها, بفعل البيئة التي أوجدتها الأنظمة الشمولية والعائلية المستبدة التي حولت العقل من منتج إلى مستهلك ومن تفاعلي إلى متلقي ومن عملي إلى نقلي وهذا ما جعل الفكرة غريبة ومحاصرة إذا ما أنتجت في مجتمع يستورد أفكاره كما يستورد سلعه.

تصبح الحرية الفردية مسألة صعبة في مجتمع الاستهلاك, كما يصبح الإنتاج الفكري مغيبا في مجتمع الاستيراد, إن المجتمع أو الشعب الذي يعيش عالة على غيرة يواجه صعوبة في إنتاج شروط وأدوات تحوله معتمدا على ذاته ليس بسبب غياب القدرة وإنما الثقة.

إن عملية التحول والتقدم في هذه المجتمعات تمر بمراحل طويلة ومنعطفات مختلفة, تبدأ بالإحساس بالمشكلة، ثم بناء الثقة، ثم إنتاج الفكرة، وتاليا توفير الشروط والأدوات التي تساعد على إنضاجها وحملها على التحقق. إن الاقتراب من الواقع والغوص في تفاصيله والاشتغال بهمومه بهدف دراسة الأسباب التي تعوق تقدمه هو الكفيل باستنباط الحلول الموضوعية والواقعية لمعالجته، تلك هي وظيفة المهتمين والمشتغلين بالتغيير على كافة الصعد وهي وظيفة يتمتع أصحابها بمعايير وسمات مائزة.ولما عجزت كل أدوات التغيير عن تحقيق الحرية وإنتاج فعل التقدم والتحول الذي تطلعت إليه الشعوب لعقود طويلة، كانت الثورة الشعبية السلمية آخر الحلول الممكنة، لكن وكما يبدو إلى الآن لم تحظى بعض الشعوب بالدعم والمساعدة اللازمة إقليميا ودوليا لإنجاز الحل كما هو حال الشعب اليمني الذي يعيش حالة ثورية متنامية منذ ثمانية أشهر، بل ظل وما يزال "الخارج" يمارس أدوارا سلبية تجاه ثورة هذا الشعب العظيم حتى وهي تشهد أعنف هجمة من قبل قوات بقايا النظام راح ضحيتها العشرات من المتظاهرين السلميين.

يناضل الشعب اليمني اليوم من أجل استعادة إرادته المسلوبة، حقه في تقرير مصيره،في إثبات وجودة وبناء دولته المدنية المنشودة، لا في إعادة إنتاج أصنام جديدة، كما يتوهم البعض أو يتم إيهامهم عبر الدعاية الخبيثة،ولا اعتقد انه سيعود إلى الوراء كما يمني آخرون أنفسهم "أفراد ودول" فمهما كان حجم التآمر والتهاون ومحاولات الالتفاف على الإرادة الشعبية فإن الشعب في الواقع قد عرف طريقة.

لقد أصاب الحراك الجنوبي،وهو يسمي ثورته المباركة التي انطلقت العام 2007 بثورة " التحرير والاستقلال"، كان الجنوب يرزح تحت ظلم واستبداد نظام عسقبلي جاهل ومتخلف، لم يوفر شيء إلا ودمره ابتداء بالدولة ومؤسساتها الوطنية والمدنية وصولا إلى الإنسان والحياة المدنية المعززة بروح القانون.

أصبح تحرير الجنوب من النظام واجبا لا يقتصر على الحراك وشبابه وإنما على المشتغلين والمهتمين بالتغيير من أبناء اليمن شمالا وجنوبا، حيث أثبت النظام فشله في بناء الدولة ناهيك عن إجهاض مقوماتها في الجنوب بدلا من استلهام التجربة لبناء الدولة اليمنية الجديدة على أسس سليمة،لقد أضاع ببلاهة الكثير من الفرص، ولما اندلعت ثورة الحراك لاحت الفرصة الحقيقية أمام الشعب لصناعة التحول من خلال ثورة يمنية شعبية كبرى، إلا أن النظام لعب على الكثير من المتناقضات موظفا العديد من الأدوات والإمكانات لتفويت الفرصة من إمكان الالتحام في ثورة كبرى أو شاملة كتلك التي يشهدها اليمن اليوم.

إنه يحاول عبثا مرة أخرى، تفويت الفرصة على الشعب في الانتقال إلى الحرية والديمقراطية باستخدام العنف وأموال الجوار بعد فقدانه كل أسباب وعوامل البقاء منذ سنوات، هذا ما ينبغي أن يفهمه المجتمع الدولي تجاه اليمن.

إن توجيه الثورة في الجنوب بما يخدم إشعال ثورة يمنية كبرى لم تكن مسألة سهلة، فالنظام عمل منذ اليوم الأول لاندلاع ثورة الحراك على حرف مسارها كليا وتقطيع كل الروابط والممكنات التي قد يجعل منها في يوم من الأيام ثورة واحدة تستهدف إسقاطه، فضلا عن نقلها ومحاصرتها في نطاق ضيق وتشويهها والتحريض عليها داخليا وخارجيا، مشرعنا عبثه من خلال دفاعه عن قيمة وطنية وأخلاقية (الوحدة) متجاهلا في الوقت ذاته أنه هو من غدر بها وأن ثورة الشعب في الجنوب والشمال لم تأت إلا انتصارا وإنقاذا لها.

كل المغالطات والافتراءات ظلت طريقها، لأن أسباب اندلاع ثورة شعبية في كل اليمن ظلت تنمو وتتسع بشكل متسارع، ولم تكن ثورات الربيع العربي سواء مناسبة لجعلها فعلا ممكنا وواقعا بعد أن نضجت شروطها وظروفها وتوفرت ضمانات كافية بربط جنوبها بشمالها ويحسب للصحافة رغم محاصرتها وملاحقتها وتضييق الخناق عليها أنها لعبت دورا في إنجاز وإنجاح هذا الفعل الوطني الكبير.

إنها ثورة "تحرير واستقلال " تستهدف إحداث تغيير جذري مرحلي وفي المقدمة منها إسقاط النظام الحاكم المتسلط باعتباره العقبة الكئود أمام عملية الانعتاق والتحول، فكل يوم يمضي وكل شهيد يسقط يؤكد أنها كذلك، فاليمن اليوم أمام مرحلة هامة ومنعطف كبير، ينتقل بالثورة من واقع متخلف لا وجود للدولة فيه إلى واقع متحرر يوفر بيئة مناسبة وضامنة لبناء الدولة، فوجود الدولة معناه وجود مجتمع مدني مستقل ومؤثر ووجود ديمقراطية حقيقية وبالتالي وجود إرادة شعبية حامية وحارسة لكل القيم المدنية المؤسسة للدولة التي قامت الثورة من أجلها.

الثورة الشعبية ليست إلا تحول كبير وانتقال عظيم من الإرادة الفردية إلى الإرادة الشعبية، إنها مقدمة حقيقية للسير نحو بناء الدولة المدنية التي يجد كل مواطن نفسه شريكا فاعلا فيها،عدا عن كونها الضمانة الموضوعية للانتقال من المشاركة إلى الشراكة، فهناك من يرى استحالة تحقيق الشراكة الوطنية في ظل غياب الدولة، وهناك من يتساءل: متى ستقام الدولة التي تحقق الشراكة وما هي ضمانات قيامها؟ وقبل هذا وذاك كان كثيرون يقولون إن التغيير مرهون بتحرك الشعب في الشمال كما فعل الشعب في الجنوب عدا ذلك لا يمكن الحديث عن تغيير وبناء دولة الشراكة.الآن تحرك الشعب في الشمال في ثورة سلمية مدنية حضارية انتزعت إعجاب العالم وهي تقترب في شهرها الثامن من تحقيق هدفها بإسقاط النظام، فهل الواجب دعمها ومساندتها حتى تحقق هدفها أولا،وثانيا يكون البدء في بناء الدولة المنشودة؟ أم الذهاب إلى طرح أو إحياء مشروعات تؤثر سلبا على الثورة أكثر مما توفر أو تحقق ضمانات نجاحها؟ الحال أنه لا يمكن الحصول على ضمانات مؤكدة بتحقيق الهدف الثاني في ظل عدم إنجاز الهدف الأول.

القول بأن القبيلة لن تسيطر.. معناه أن النظام القبلي الذي حكم اليمن الموحد فشل في إدارة المشروع الوطني الوحدوي بما يلبي حاجات وتطلعات الشعب شمالا وجنوبا، وتحول إلى مشروع أسري وعائلي ونفعي صغير قامت الثورة من أجل إسقاطه واستبداله بالمشروع الوطني ويستحال أن يعاد إنتاجه بعد كل هذه التضحيات، ولا يعني ذلك استبعادا للقبيلة من المشاركة في بناء الدولة وفق شروط وأهداف الثورة المدنية. والقول بأن الجنوب لن ينفصل هي بالتأكيد قراءة لمسار الثورة والتحول الذي تشهده اليمن وقد سبق لذلك الأخوة في حزب الرابطة والأخوة الذين أعدوا مشروع القاهرة بطرح مشروع الدولة اليمنية الاتحادية أو الفيدرالية الثنائية وهذا كما يبدو لم يأت من فراغ وإنما من خلال قراءات وتنبؤات للواقع ومسار الأحداث والتحولات التي ستفرض- كما يبدو- على اليمنيين شمالا وجنوبا البحث بجدية عن الحلول من داخل المشروع الوطني وليس من خارجه والعمل سويا على إنتاج الضمانات التي توفر بيئة صحية للشروع في بناء الدولة في جو من الثقة المتبادلة والقبول بالآخر.

بات من الواضح أن الثورة الشبابية الشعبية السلمية هي ثورة (إصلاح المسار) فمشروع إصلاح مسار الوحدة الذي ظل ينادي به الأستاذ محمد حيدرة مسدوس منذ وقت مبكر ها هو يتحقق على يد الشباب بعد أن عجزت كل المحاولات بما فيها ثورة الحراك التي استطاع النظام حرف مسارها وخلق مبررات وجوده واستمراره من داخلها عبر تخويف الداخل والخارج وبالتالي فإن إيقاف مهزلة اللعب بالبلاد والعباد كان بحاجة إلى فعل عظيم يشبه تماما (ثورة إصلاح المسار) لإزاحة العوائق والمخلفات من طريق الوحدة والدولة.

إن البناء لا يكون إلا في مجتمع متحرر، فالحرية هي عنوان التقدم والازدهار للفرد والمجتمع، كلنا أمل في أن تكون الثورة هي البداية الحقيقية والطبيعية في تخليق مجتمع حر وإنسان متحرر، الثابت أن الأشخاص أو الشعوب التي تصنع الثورات وتقودها من الطبيعي أنها تفعل ذلك طلبا للحرية وطالب الحرية هو حر أصلا والحر يطلب الحرية لغيرة ولا يمنعها.

تحتاج اليمن لثورات عديدة للتحرر من الاستبداد وحكم الفرد والعائلة والعصبيات ومكافحة الإرهاب وبناء الإنسان وتشييد المجتمع المدني الديمقراطي، وحسبنا القول أن العجلة قد دارت ولن تتوقف، وعلى الشباب أن لا يلتفتون للأشخاص، من سيحكم أو من سيسيطر؟! عليهم فقط تحديد أهداف الثورة بوضوح والتمسك بها والمضي صوب تحقيقها، فإيجاد الدولة المدنية المؤسسية وتحقيق الشراكة الوطنية هو الهدف التالي الذي سيلي سقوط النظام، إذا ما تحقق ذلك سيشعر المواطن أن من يحكمه هو القانون والمؤسسات وليس الفرد أو الحزب أو العصبية، إن تحقيق هذا الهدف يحتاج لثورة تحرير واستقلال معها سيحقق الشعب ما يتمناه وسيستحق الوصف بأنه عظيم وهو حقا كذاك.


في الثلاثاء 27 سبتمبر-أيلول 2011 07:24:41 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://m1.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://m1.marebpress.com/articles.php?id=11728