مغامرة صحفية تكشف حرب صعدة
صحفي/عابد المهذري
صحفي/عابد المهذري

ثقوب الرصاص في لوحة منصوبة على مدخل المدينة مرحبة بالقادمين إلى "صعدة.. محافظة السلام".. تخبرك أن عليك التشبث بما استطعت من الحذر والحيطة.. تقول لك: احترس أنت في صعدة وأجواء المكان تدعوك ألا تصدق العبارة تلك.. تمر بجانب لوحة حديدية أخرى على الطريق.. فتتأكد أكثر أن عليك إنهاء مهمتك بسرعة.. حين تجد آثار الرصاص قد طمست براءة حمامة بمنقارها غصن زيتون وعنقود عنب يستقبل ضيوف المحافظة .. لتعرف فيما بعد كم كانت صعدة تنعم بالأمن والسلام وروح الطمأنينة قبل انفجار الحرب صيف 2004م.

> تعود بذاكرتك خمس دقائق إلى الخلف.. فتستعيد مشاهد مررت عليها في عشرين كيلو متر قبل أن تصل إلى "نقطة عين" مركز التفتيش الأمني الذي يحرس بوابة صعدة.. حين تصل إلى هذا المدخل الرئيس للمحافظة تكون قد رأيت سوق آل عمار ينفض عن محلاته غبار المواجهات المسلحة وإلى يمنيك "وادي مذاب" يختبي خلف تلك الجبال البعيدة.. يحرص الراكب الذي بجوارك على إخبارك بأن الحرب الرابعة "الحالية" بدأت من هناك.. وبسرعة تلتفت إلى اليسار لترى قسم شرطة الصفراء.. المبنى الحديث الذي نقشت رصاص المهاجمين ذكرياتها على جدرانه ممهورة بدماء عشرات القتلى والجرحى.. تمر بجبال شاهقة ثم منعطف.. لتجد قرى "المهاذر" متناثرة على جانبي الطريق ترحب بك "بمطب" شهير ولوحة مرورية تحذرك من السرعة.. أنت في قرية "القابل" الآن.. بجوار "قصبة" الحراسة المهدمة بيت طيني آخر طالة التخربت بقذائف الجيش.. بسرعة تجدك وسط سوق "المهاذر" المسمى "المخرطة" نسبة إلى ورشة قديمة لأعمال الخراطة.. يفاجؤك المشهد المثير.. آثار القصف المسلح بارزة على أبواب دكاكين السوق.. إنها نتيجة قصف عشوائي من قوات الجيش.. رداً على كمائن محكمة نصبها أنصار الحوثي لسيارات الجنود في هذه المنطقة على مدار أسبوعين مليئين بقصص المواجهات الأكثر سخونة.. لكن جمال قرية "فروة" السياحية يخفف عنك بعض التوتر وأنت تمر على قرى البقعة وعين وصولاً إلى آل عقاب المتسمة بالهدوء.

> تدلف المدينة بإلقاء التحية على معسكر قوات النجدة ومبنى إدارة الأمن الضخم.. ثم معسكر الأمن المركزي الكبير وموقع القصر الجمهوري الواسع خلف جامع جميدة "السلفي".. تتوقف بجوار الغرفة التجارية لتستقل بعشرة ريالات باصاً للأجرة ينقلك إلى نهاية الشارع العام.. تصل إلى باب اليمن والذهول يسيطر على تفكيرك.. وحينما تصرخ بإحتجاج وأنت غير مصدقاً عيناك: "لا.. هذه ليست مدينتي.. ليست صعدة التي أعرفها".. لن تجد من يهتم لأمرك.. رد عليَّ أحدهم باستهزاء "مالك مطنن.. وينك عايش يا حبوب".. أضاف آخر "روح شوف مابه في الطلح وبني معاذ وضحيان.." .. يرتفع أذان صلاة الظهر بصوت مبحوح من ميكرفونات جامعة الإمام الهادي "الزيدي" وسط المدينة القديمة.. استقل باصاً آخر وأعود من شارع الزبيري أتأمل وجوه الناس وكيف تمضي عقارب الحياة داخل هذه المدينة الصغيرة!!

> أول ملاحظة تسجلها "الحياة مشلولة" والوضع لا يطمئن.. لن تغفل ملاحظة أخرى.. سيارات الجيش أكثر من سيارات المواطنين.. داخل سوق القات المركزي ستجد أن الجنود الباحثون عن ربطة "ولعة" أضعاف أعداد المواطنين الباحثين عن كيس قطل.. في هذا السوق ستجد جندي يبيع للمقوت عدداً من طلقات الذخيرة.. وسيقول لك مقوت آخر وهو يلعن الحرب "العمل ضعيف ومزارعي القات يعانون انعكاسات المشكلة" من خلاله تعرف أن إنتاج القات متوقف في أكبر مناطق زراعته في قاع بني معاذ الخصيب.. ولم يعد يأتي من آل عمار وساقين وسحار الشام إلا كميات قليلة لا تغطي الطلب المتزايد بزيادة آلاف الجنود القادمين من ألوية مرابطة في الجوف ومأرب وأرحب لتعزيز الموقف العسكري في حرب صعدة نمبر فور!!

> من خلال صاحبي.. أعرف أن قلب المدينة لا ينشط إلا في ساعات الظهيرة حتى العصر.. ثم ما يلبث أن يتحول الجو إلى ما يشبه صباحات رمضان.. قليلة هي حركة العمل في السوق وببطيء يمشي الوقت.. معظم المحلات التجارية مغلقة.. المرافق والمكاتب الحكومية تكاد تكون معطلة.. بالكاد يوفر "عمار" مصاريفه اليومية من دخل باصه الصغير.. القرف هو علامة التذمر في وجوه أصحاب المحلات.. هذا الشهر عجز "فهد" عن تسديد إيجار سوبر ماركت يمتلكها.. ويعرض "منير الشرعبي" مطعمه للبيع بثمن أقل من قيمته.. تعرف من صاحب ورشة ميكانيكا أن الشلل الذي أصاب المدينة سببه الحرب.. يتفق البنشري وتاجر قطع الغيار وصاحب المخبز ومحل الخياطة أن سكان الأرياف لا يأتون للمدينة للتبضع والتزود بحاجياتهم لأن حركة التنقل زادت صعوبة مع كثرة نقاط التفتيش العسكرية في كل الطرقات.. ولا ينسى هؤلاء الإشارة إلى أن اهتزاز الوضع الأمني في المحافظة أجبر الجميع على ملازمة قراهم بانتظار المجهول..

> الشمس الآن تقترب من الاختفاء خلف جبال خولان المهيبة.. تحس بتسارع حركة الناس للعودة إلى البيوت قبل حلول الظلام.. الأطقم العسكرية بدأت تكثف تحركاتها.. درجة اليقظة ترتفع لدى الجميع.. بإمكانك الآن رؤية نهاية الشارع العام وأنت واقف بجوار المجمع الحكومي حيث الحراسة المشددة على منزل المحافظ ومدير الأمن ومباني الحزب الحاكم وبنكي الإنشاء والتسليف والمحكمة والمرور والدفاع المدني والبنك المركزي في الدائري الخلفي قريباً من مبنى الأمن السياسي الملتصق بجدارن مستشفى السلام السعودي بصعدة.. حيث تنتشر الحواجز الخرسانية منذ الحرب الثانية لتمنع حركة المرور بجوار مباني الأمن السياسي من ثلاث جهات عدى الجهة الجنوبية في ظل رقابة أمنية متحفزة.. المحلات تغلق أبوابها على عجل.. بعد قليل سيؤذن لصلاة المغرب وقبل أذان العشاء ستكون جميع المحلات قد أغلقت ودوريات الشرطة تمشط الشوارع تمهيداً لحالة الطوارئ وحضر التجوال التي تبدأ عند الثامنة من كل مساء..

> لقد أنهيت مهمتي على نحو مرضي نسبياً.. بمساعدة صديق وصلت إلى مدينة ضحيان ودونت بعض الملاحظات.. وفي طريق العودة قضيت نصف ساعة داخل "سوق الطلح" أكبر أسوق السلاح والتهريب في اليمن.. الحركة التجارية متوقفة في أضخم سوق لبيع السيارات والمواشي والمواد الغذائية.. القرى السكنية المحيطة بالسوق ما تزال فجوات قذائف الدبابات محفورة على جدران ثمانين منزلاً طالها قصف القوات المسلحة كما صرح لي مصدر موثوق من وجاهات المنطقة.. بمحاذاة جبل "قهرة النص" يعسكر لواء كامل لتأمين المنطقة المحورية لأنشطة مقاتلي الحوثي.. قال المصدر الموثوق أن القوات أصيبت بهستيريا جنونية إثر اغتيال قائدهم "العميد/ محمد جابر عثمان" وباشروا القرى بقصف مدفعي مكثف ذهب ضحيته عشرات الأبرياء.. وقبل أن يشرح لك كيف قتل الشيخ/ جار الله فردان وهو يقرأ القرآن وبجواره ابنته داخل منزله وماذا حدث لمنازل القرحي والعوسة وبن عريج و...... وكيف أودت قذيفة مجهولة بحياة رجل الأعمال "الطيخ" وهو وسط أسرته. ستجده يشكر الله أن القذائف التي سقطت في بيت "أبو مسكة" لم تصب مخازن السلاح في بدرومات المنزل وإلا لكانت الكارثة مفجعة بكل المقاييس.. ويواصل سرد قصص وحكايات لا يمكن نشرها هنا تجنباً لأذى قد تتعرض له الصحيفة من السلطات بتهمة كشف أسرار عسكرية!!

> في الطلح.. يتواجد أنصار الحوثي بكثرة وتعد مركز رئيسي لتنفيذ نشاطاتهم المسلحة وإعادة التجمع والتوزيع وشن المهام القتالية على المرافق العسكرية المرابطة في تلك المناطق.. منطقة الطلح إلى جانب آل الصيفي القريبة منها شهدت أشرس المواجهات.

> الغاضبون من تدمير بيوت أبرياء لا علاقة لهم بالحوثي.. يتحدثون بمرارة عما يحدث.. "فيصل" يعتبر ما يحدث شبية بما يجري من بطش وتعسف في غزة والقدس.. وعندما تعرف أن الجيش يقوم بقصف مواقع الحوثيين من على بعد عشرات الكيلو مترات وكثيراً ما يخطئ الهدف وتصيب القذائف مدنيين.. ستعرف قصد البرلماني "عثمان مجلي" عن سوء إدارة الدولة الحرب.. وتحاول تفسير ذلك التأزم وأسباب تجدد الحرب وتوسعها دون حسم.. فلا تجد إجابة غير إجماع أبناء المحافظة أن هناك من أقصى أي دور قد يلعبونه إيجابياً عن ساحة الأحداث.. لقد تجاهلونا وتعمدوا تحييدنا والنتيجة كما ترى.. قالها شيخ بارز معروف بالحكمة والرأي السديد ضمن حديث طويل في مقابلة خاصة!!

> بالقرب من ثكنة عسكرية على طريق الطلح.. يضبط قائد عسكري صحفياً متلبساً بجريمة البحث عن الحقيقة.. تلعب الصدفة دورها.. الضابط صديق قديم من زمن ما قبل الحرب.. يتركني وشأني محذراً من الوقوع في يد غيره.. "لدينا توجيهات مشددة على منع الصحافة من النزول للميدان والتصوير".. هكذا قال لي راجياً ألا أخبر أحداً بتساهله معي.. الآن فهمت لماذا يتهرب أصحابي من الرد على اتصالاتي وتزويدي بأي معلومات.. الجميع يعتقد بأن التلفونات تحت مراقبة الأجهزة الأمنية.. وبعد قطع خدمة الإنترنت والهاتف المحمول عن سكان محافظة صعدة منذ شهر.. صارت المعلومات محدودة التداول.. لا أحد يجرؤ على تزويدك بما يعرف.. الكثيرين يطمئنونك بأن الأمور على ما يرام مع أن العكس هو الصحيح.. ويختصرها الغالبية في كلمات شعبية دارجة "مخبوصة.. معجونة.. مخوشة.. غاغة.." كلما سألتهم عن أي جديد!!

> في مكان عام.. استرقت السمع لحديث مجموعة مواطنين يتناقلون أخباراً حول سيطرة مقاتلي الحوثي على مواقع عسكرية واستعادة أخرى وأخطاء فادحة ارتكبها الطيران المشارك في الحرب عندما ضرب وحدات من أفراد الجيش متمركزون في جبهات القتال.. كانوا يتحدثون عن أعداد مهولة من الضحايا.. الفضول الصحفي دفعني للتطفل بطرح أسئلة جانبية لتأتي إجاباتهم صاعقة.. صمت الجميع ودققوا النظر بقلق وريبة إلى وجهي.. تواريت في خجل وأحدهم يتمتم "الله يخارجنا.. صورته من حق الأمن.. هيا نمشي قبل ما يبلغ.. وقبل أن يهربوا كنت أنا قد لذت بالفرار!!

> حتى الأشخاص الذين كنت أتحدث معهم قبل يومين في صنعاء وجدتهم في صعدة يتحاشون الحديث معي بتلك الحرية التي كانوا عليها.. تأكدت فيما بعد أن الثقة مهزوزة لدى الجميع.. ويتعامل أهل صعدة بحذر شديد مع أخبار الحرب ووقائع المعارك.. وفي مقايل القات يخاف الجميع من إبداء رأي معارض أو التعبير عن موقفة الشخصي.. ومن يملك خبراً خاصاً لا يجرؤ على أخبار آخرين بما لديه من معلومات قبل أن يشيع الخبر بين الناس.. التكتيم الإعلامي وصل إلى عدم معرفة أبناء القرى المتجاورة عن تفاصيل ما يحدث بالقرب منهم.. مقابل ذلك ارتفع توزيع الصحف ويطلب أصحاب المكتبات كميات إضافية من الموزعين.

> وعلى بعد أقل من كيلو متر واحد من نقطة آل الصيفي العسكرية يتوقف سائق السيارة ليخبرني أن تلك النقطة استحدثها الحوثيون.. وكما هي النقاط الأمنية الحديثة منتشرة على امتداد الطريق من "العمشية - آل عمار - المهاذر" على خط صنعاء صعدة.. كذلك هي منتشرة بأعداد أكثر في طريق "صعدة - الطلح - آل الصيفي - ضحيان..." بجوار هذه النقاط تتموضع الدبابات والعربات المصفحة وأعداد من الأطقم المسلحة والمجنزرات.. وتبدو الأكياس الرملية تملا المكان والمطبات المرتفعة موزعة على مسافات متقاربة.. فيما أصابع الجنود لا تفارق زناد أسلحتهم.. وبالكاد ترمش أعين أفراد الخدمة من شدة اليقظة والتأهب لهجوم مباغت..

> لم تسمح شجاعتنا بزيارة آل الصيفي وآل غبير والقرى المجاورة لها.. انتصر تردد مرافقي على اندفاعي المتهور لإقتحام المنطقة.. ليكون الخيار الأخير هو التوغل وسط مزارع بني معاذ المترامية الأطراف.. تجاوزنا سوق الخفجي في طريق العودة لنسلك طريق بني معاذ من سوق العند الذي يؤمه أنصار الحوثي لبيع وشراء القات ببنادق مزينة بملصقات شعار الصرخة المنادي بالموت لأمريكا وإسرائيل وصور زعيم الحركة "حسين بدر الدين" مثبتة على أغلفة الجنابي.. وإذا ما سمعت أحدهم ينفي مقتل حسين الحوثي ويؤكد عروج روحه للسماء.. فلا تدخل معه في نقاش.. دعمم كما يدعمم الآخرين وإلا....!!

> النهار في صعدة يكون صاخباً بأصوات طائرات الميج عندما تتعمد الاقتراب من الأرض وفتح الصوت لدرجة تحطيم زجاج النوافذ.. ضجيج مقاتلات الهيلوكبتر حكم على الطيور بالهجرة من سماء المحافظة.. لقد تحولت صعدة إلى فرزة للطائرات تشبه فرزة الحصبة باب اليمن.. هكذا يصف "صالح" الأجواء المعاشة داخل المحافظة.. حتى الأطفال الصغار صاروا يفرقون بين الأباتشي والهيلوكبتر وطائرات الإسعاف.. ومرورها المتكرر فوق رؤوسهم لم يعد مثيراً للنظر للأعلى بدهشة الصغار.. لكن هناك جوانب خطيرة لا ينتبه أحد إليها.. هناك الآن جيل ينشأ في صعدة متعايشاً مع ثقافة الحرب.. على غرار دراسة علمية نفذها خبراء نفسيون على أطفال العراق.. علماء الاجتماع يحذرون من ترعرع صغار صعدة وسط أحضان العنف والتعود على مشاهدة الجثث والتخاطب بلغة القتل ومفردات الاقتتال.. أولياء الأمور يضعون أيديهم على قلوبهم.. قلقاً على مستقبل غامض ينتظر أطفالهم.. وتكاد الغصة تخنف "عبدالباري" وهو يصرخ داخل أعماقه مستنجداً بالعقلاء لإيقاف الحرب المعلونة.. حتى الذين لا ذنب لهم سيذهبون ضحايا..

> تقرأ الخطر القادم.. عندما تجد الأطفال يتقمصون أدوار المقاتلين.. صغار الحارة الواحدة يتسلحون بأسلحة خشبية ثم يبدأون كفريقين مع الحوثي وضده القتال ببراءة الصغار.. يجسدون ما يدور على أرض الواقع بنشوة غامرة لا تضاهيها لعبة الكرة أو سباقات الجري.. هنا يعاود أخصائي اجتماعي تحذيراته من هذه السلوكيات وتأثيراتها الخطيرة على المدى البعيد.. ننقل تحذيره ونطرح صوت القضية على مقربة من آذان المعنيين!!

> أنت في صعدة.. ستشاهد كصحفي الكثير.. وستسمع كمواطن أكثر مما ترى.. شاب في مقتبل العمر يسأل دون خوف عن طريق "النقعة".. سيارات الجيش تسير بسرعة جنونية.. فوهات بنادق الجنود على الأطقم مصوبة إلى الخارج باتجاه الشارع ومن فيه.. اللوحات الجمركية نزعت من العربات العسكرية للتموية على أتباع الحوثي.. إذا كنت من أبناء المحافظة ستحس بأنك غريب على المنطقة.. الناس الذين تعرفهم جيداً ضاعوا وسط هذا الزحام المسلح القادم من حيث لا يدري أحد.. يجيبك شخص لم تسأله "الأمور حامية والله أعلم إلى أين".. المدينة خالية من المجانين "ملاحظة!!".. موسيقى الغناء المنبعثة من استريو في وسط المدينة..ليست مؤشر انبساط وهدوء بقدر ما هي عادة قديمة.. وإذا لم تكن على علم مسبق بخروج صعدة منذ أسابيع عن نطاق خدمة سبأفون وسبيستل وموبايل.. فلا تحاول تصفح الإنترنت.. فالخدمة أيضاً مقطوعة كما هي تلفونات المنازل في مناطق المواجهات مفصولة لظروف أمنية.. وما دمت في صعدة.. يجب عليك التخلي عن أشياء كثيرة.. الكاميرا.. البطاقة الصحفية.. المسجلة الصغيرة.. بنطلون الجينز.. أوراق المهنة.. واستبدالها بكلاشنكوف وجنبية وغترة تخفي ملامح وجهك عن عيون العسس.. سيبقى الذهول يسيطر عليك كلما لمحت بيتاً تأثر بالقذائف أو سيارة مسرعة باتجاه المستشفى لإسعاف جرحى الحرب.. ولن تكون بخير إذا أردت ممارسة عملك بحرية وأريحية.. تقمص أي شخصية غير وظيفة الصحفي حتى لا تزور السجن وتفشل في تنفيذ المهمة.. وقبل أن تدخل "بني معاذ" إلتقط ما يكفيك من الأنفاس العميقة على بعد كافي من قوات الجيش المرابطة على أطراف القرى الكثيفة السكان.. لقد وصلنا "غلفقان".. مساحة أرض واسعة ما زالت خالية.. لا غبار يتطاير بسبب توقف الحركة.. وبعد قليل.. سنتفاجأ بشخص يرحب بنا بكمية كبيرة من أغصان القات الفاخر قطفها للتو من مزرعته تلك.. لقد عرفني وأطمانيت إليه حين وجدته يتحدث معي بثقة وصراحة .. لن أذكر إسمه لعدم معرفتي به.. لكنه قال أن الوضع مزعج.. السكان يواصلون النزوح وتحت نيران القصف المكثف على المنطقة يتواصل إنذار القيادة العسكرية للأهالي بإخلاء الأماكن وحماية المزارع من تسلل أتباع الحوثي.. الجميع في حيرة.. ولن تسمع ضجيج المضخات الزراعية مع دوي الانفجارات المتوالية حول محيط جبال "الشبكة".. من أي مكان سترى شظايا النيران وهي تتطاير في الجو عند ارتطام القذائف بصخور الجبل الضخم الذي يحرس "بني معاذ" من جهة الغرب.. ويؤمن للمقاتلين في جبهات الحوثي عملية التواصل بأمان وصولاً إلى "صبر وهجرة فلة وأم ليلى ....".. عبر سلسلة جبلية تربط وسط المحافظة بآخر نقطة على حدود اليمن الشمالية مع السعودية..

> من الجهة الشرقية المقابلة.. هناك سلسلة أخرى.. جبال "العصائد" تربط منطقة نشور والرزامات وآل سالم بالمعقل الاستراتيجي "النقعة" حيث يعسكر "أبو يحيى" منذ سنتين مع العشرات من أصحاب الشعار.. يلعب "عبدالله عيظة الرزامي" دوراً رئيسياً في القيادة والتخطيط.. وبغموض وصمت يدير شئون الحركة الحوثية.. التضاريس الجغرافية الصعبة تخدم الحوثيين وتعقد الخطة العسكرية الرامية للسيطرة على "النقعة".. خبير عسكري متقاعد يجزم باستحالة أي تدخل عسكري بنجاح.. ليست صعدة تورا بورا ولا قندهار.. لكن طبيعة المكان تفرض أهميتها.. حتى الطيران لا يحقق النجاح المطلوب ضد المتحصنين وسط جبال عملاقة فيها عشرات الجروف الصخرية والكهوف المنبعجة للداخل بإتساع..

> "أين عبدالملك الحوثي"؟! إنه هنا.. يتمترس في المنتصف.. ويتخذ من منطقة "مطرة" الواقعة بين "النقعة" والجعملة مركزاً رئيساً له ومن معه.. لن تصل إلى "مطرة" إلا من طرق محدودة ما زال الحوثيون يسيطرون عليها..

> عندما تكون في "ولد مسعود" ستكون مدينة صعدة خلف ظهرك.. أمامك مطرة والنقعة.. ومن حواليك.. قهرة النص وآل الصيفي وآل غبير وآل بيان والطلح والأبقور على اليسار.. وإلى اليمين كتاف والبقع ووادي آل بوجبارة والعشاش والحمزات والطويلة وآل شافعة

يمكن الإطلاع على خريطة صعدة بالوقوف على قمة جبل "تلمص" جنوب مدينة صعدة المطل على مناطق غراز والعبدين والصحن.. سترى قاع زراعي فسيح تحيط به الجبال الضخمة من كل جانب.. تلتصق جبال الصمع والسنارة والعبلى بالجبل الذي تعتليه من جهة الجنوب الشرقي.. وخلفها تتداخل مناطق "دماج وصحوة ووادعة معقل السلفية في اليمن وبلاد "مقبل بن هادي الوادعي" ومعهده الشهير لتدريس الحديث النبوي..

> كما يختفي خلف جبل أحسن الملاصق لجبل تلمص من الجنوب الشرقي مناطق المهاذر وفروة وآل عمار وبني عوير.. ووراء جبال الشبكة هناك جبال أكبر تحرس ساقين وحيدان ورازح وشدالن تصل إليها إلا عندما تخترق جبال زقول وآلت مجزب ووادي علاف عند سفح جبل "عنم" الشهير.. ويحتجب وراء ذلك الأفق البعيد مديريات منبه وغمر وقطابر غرباً من جبل أم ليلى الذي تصله من طريق ضحيان مجز - سحار الشام - جماعة.. هذه هي صعدة التي عندما كنت في "العمشية" أثناء قدومك من صنعاء.. ظل جبل "المفلوق" يقترب نحوك تدريجياً.. ليظهر بعده جبل "براش" الأسود المدبب.. قبل أن تتجاوز نقيل "العقلة" بعد ما تكون قد تجاوزت سفيان والحرف.. بالتأكيد ستظل آثار المجنزرات المنقوشة على امتداد خط صنعاء - صعدة لاصقة في ذهنك.. في صعدة.. سينطبع بذاكرتك مشاهد وصور كثيرة عن أرتال الدبابات والمصفحات والعتاد العسكري.. قد ترى بعض منها مدمراً وسيخبرك رفيقك في أي طريق تسلك عن وقائع الاشتباكات ونتائجها عند كل موقع تمر عليه مرور العابرين!!

> يا للهول.. هذه الجولة الرابعة أفضع من الثلاث السوابق في الخسائر ورقعة التوسع.. لن تحصل على إجابة واضحة على سؤال يبحث أسباب غياب الحل .. تتضارب الآراء بين متعصب مع الدولة ومتعاطف مع الحوثي.. أيضاً، هناك من "يتشفى".. ناقم على إهمال الحكومة لأبناء صعدة يعبر عن سعادته بما تتكبده الدولة من خسائر وأضرار.. آخر يتحدث بلسان الدين عن الشيعة والصفوية والمذهب الاثني عشري.. يبدو متأثراً بخطاب الإعلام الرسمي وهو يكرر ما تبثه الإذاعة والتلفاز والفضائية اليمنية وتنشره صحف الحزب الحاكم.. أخيراً انتبهت لنقطة مهمة.. وباشرت التحري عن التدخل الخارجي وإتهام ليبيا وطهران بدعم الحوثيين.. بعض المواطنين يؤكدون صحة ذلك لكنهم لا يزودونك بدليل إثبات أو معلومة.. يقول أحدهم بأن أتباع الحوثي عملاء يقبضون الأموال من دولة خارجية.. يرد عليه آخر.. بالإشارة إلى أسماء محددة يعرفها جيداً باعوا ممتلكاتهم الخاصة وذهبوا ينفقونها على مقاتلي الحوثي.. في سبيل الله.. لم أجد أحداً يدحض هذا الطرح بحقيقة تشير إلى استفادة عناصر الحوثي من أموال الخارج!!

> الإعجاب بشجاعة أنصار الحوثي لا ينكره حتى قياديون في الجيش.. ضابط قص لي حادثة حضرها.. القائد الكبير كان في زيارة للمصابين في المستشفى.. إلى جانب الجنود الجرحى.. كان هناك جريح من مقاتلي الحوثي.. هذا المقاتل صغير السن والحراسة مشددة علية وإصابته بالغة لكنه متماسك ويصرخ بالموت لأمريكا وإسرائيل باستمرار.. اقترب منه القائد الكبير عارضاً عليه أي مساعدة قد يحتاجها.. جاء رد الجريح مهذباً في طلب بسيط.. لقد طلب من القائد إعارته مسدسه.. وحين قال له لماذا؟! أجاب بلا تردد أو خوف: "لكي أقتلك وأتقرب بك إلى الله".. في الحرب الأولى تناقل الناس حكاية تقول بأن الحوثيون يعتقدون أن الجنة هي مكافأة من يقتل جندي وأن تقتل ضابطاً في الجيش تكون قد ضمنت سبعين من حور العين.. وتسمع من قصص الاستبسال ما لا يصدق أحياناً وإن كان حدث فعلاً.. مثل هجوم عناصر الحوثي بأسلحتهم التقليدية -وجهاً لوجه- لقوات الجيش بأسلحتها الثقيلة.. أحد أتباع الحوثي يداهم قمرة القيادة لدبابة من برج التحكم.. عدة أفراد يهجمون على معسكر ويباشرون من فيه إطلاق الرصاص.. يتسلل آخرين إلى قلب المدينة بسيارة هايلكس ويشنون هجوماً على مواقع عسكرية ويعودون بسلام!!

> هناك أيضاً ما يتجاوز حدود الخيال.. مقاتل واحد أمام عشرات الجنود.. هو في متراسة خلف صخره وهم متحصنون في الجهة المقابلة.. رفع يديه مستسلماً عقب انتهاء ذخيرته.. بعد ساعات ساخنة من المواجهات كان قد فقد زملائه في القتال وعدة جنود كانوا قد تأثروا بإصابات.. تقدم الضابط للقبض عليه تحت جنح الليل.. بدأ بتفتيشه واحترازاً.. الضابط لم يكن يعلم أن ذلك المقاتل يقف على شرفة حيد جبلي تحته هوة سحيقة.. بسرعة خاطفة أطبق الحوثي المقاتل يديه على جسم الضابط وتراجع معه خطوة للوراء ليهوي الإثنان إلى الأسفل ويعثر على أشلائهما ممزقة في صباح اليوم الثالث.. حدث ذلك في الحرب الأولى وفي الثانية عثر على شاب حوثي يقاتل بيد واحدة ورجل تستند إلى عكاز نتيجة إصابة سابقة.. لقد استطاع "حسين بدر الدين" تعبئة هؤلاء بأفكار عقائدية يضحون بأرواحهم من أجلها.. إنهم يبحثون عن الموت بطريقة مذهلة.. حتى الذين لم يعرفوا "حسين بدرالدين" عن قرب.. تأثروا بما جاء به وسلكوا ذات الدرب.. كثيرون جداً من إتباع الحوثي لم يسبق لهم مقابلة حسين أو والده بدر الدين.. ربما لم يقرأوا الملازم أو يستمعوا أى محاضرة له.. لكنهم يقاتلون معه بشجاعة نادرة واستبسال مثير!!

> مقاتلين جدد يلتحقون بحركة الحوثي يومياً.. يأتون من محافظات غير صعدة.. شباب في مقتبل العمر.. بعضهم يكون سلاحه معه ومن لا يجد سلاحاً يتدبرون أمره بعد العهد على الولاء والطاعة وإتمام إجراءات الشروط المطلوبة.. هناك من يرفض ممانعة والديه رغبته في القتال مع الحوثي.. بعضهم -حسب مصادر- يشهر السلاح في وجه والده إذا حاول منعه من الذهاب للجهاد.. وهناك أباء مع أولادهم تركوا البيوت والمزارع والتحقوا بجماعة الحوثي.. يعيشون حياتهم الخاصة متنقلين من جبل إلى آخر دون ككل ولا ملل.. وتبقى قصة تلك "الأم" المفجوعة بولديها هي الأكثر مأساوية.. قتل إبنها الشاب وهو يقاتل في صفوف الحوثيين وبعد أسبوع يلحق به شقيقة المجند مع وحدات الجيش.. لتصاب العجوز بمضاعفات صحية أفقدتها البصر..

> لا صوت -في صعدة- يعلو فوق صوت المعركة.. نسي الناس كل شيء وانشغلوا بالحرب التي شغلت الجميع عن العيش بحياة طبيعية.. هؤلاء الجميع غاضبون على الحوثي ومستاءون من الدولة.. الجميع هؤلاء يخافون الجميع.. خائفون من الحوثيون إذا ناصروا الدولة.. ومن الدولة إذا اظهروا احتجاجاً يندد بما يحدث ويطالب بوقف فوري للحرب.. قال شيخ معروف شاكياً: "لقد تجاهلونا، استغنوا عنا، همشوا أبناء صعدة، والنتيجة كما ترى".. وقد رأيت على أرض الواقع من الصور والمشاهدات والقضايا الإنسانية ما يحتاج إلى مواصلة الرصد في حلقة ثانية عن الزيارة الميدانية الأولى!!.

*نقلاً عن صحيفة الديار الأهلية


في الأربعاء 11 إبريل-نيسان 2007 08:34:31 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://m1.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://m1.marebpress.com/articles.php?id=1535