أين الامان يا مكافحة الارهاب؟
صباح مالك الارياني
صباح مالك الارياني

لم اعد "سعيدة", افظع شيئ الشعور بالصدمة لذا لم يعد يهمني شيئ في هذا الوجود منذ ان سمعت بموت الشاب عبد الرحيم في جريمة" ميدان السبعين" رغم المذابح التي ذهب ضحيتها الكثير من شبابنا الى اليوم الا ان هذه المذبحة قتلت في نفسي وربما في نفس اي مواطن في اليمن من اقصاها الى اقصاها اي فرحة يمكن ان يزرعها امل البشارة بالغد الافضل لنا ولأبنائنا و لوطننا.

لأحكي لكم عن عبد الرحيم ربما تخفف مشاركتكم لي في معرفته الحزن المهيمن على كل دقائق ايامي ؟

ولد في اواخر الثمانينات في قرية الجراف لأب وام لم يرزقهما الله من البنين سواه اصرت الام التي رزقت به بعد معاناة وعقم شبه دائم ان يسمى الوليد باسم ابيه " عبد الرحيم عبد الرحيم"حرم الله الاب عبد الرحيم" المال والبنون" الذي يمكن ان يفاخر بهما في الحياة الدنيا. لكن انعدام الخلف في حال عبد الرحيم الاب يعد رحمة ليتعادل قلة المال مع قلة العيال اذ من اين ياتي بقرص الخبز لو كثرت الافواه؟

  عبد الرحيم مزارع قضى حياته يزرع قطعة ارض صغيرة ورثها عن اهله تساعده زوجته في غزل ليف الحمام ليتمكنوا من العيش, لكن التصحر وشح الامطار زحف على قرية الجراف وزحفت اشجار التين الشوكي على الاراضي المزروعة التي التي كانت مصدر رزق لأصحابها المحدودي الدخل ومما زاد الطين بلة زحف البناء العشوائي في هذه المدينة الصغيرة وكما هي على الكثير هي على العم عبد الرحيم في حقله الصغير في هذا الزحف "الصباري" باعتبار اشجار التين هي من فصيلة الصبار التي لاتحتاج الى مياه كثيرة وجد العم عبد الرحيم في حب الله له دليل ان ارضه لم تتصلب كما تصلبت بعض اراضي الغير. فاصبح يجمع التين ويملاء به عربة يحملها معه فوق سيارة الهيلوكس التي يستأجر مكان على سطحها الخلفي المحمل بالماشية التي في طريقها الى سوق مذبح في العاصمة صنعاء ربما قادمة من القرى البعيدة ينتظراصحابها ان يعود بيعها عليهم بربح يعينهم على قلة الرزق.

  يحمل الحج عبد الرحيم كما تعود اهل الجراف مناداته اذ قام بحجته التي نذرها لكي يرزقه الله بالولد باكرا من عمره يحمل تينه وعربته ليذهب لبيع البلس " التين " في العاصمة حاضرة اليمن صنعاء ,الرحلة طويلة ومتعبة اذ يجلس الحاج عبد الرحيم بين المواشي هو وعربته محتملا التطلع الفضولي اليه في عيون الاغنام او مزاحمتها له في مكانه مزاحمة ملحة وكان الموشي تتسأل لم يحتل هذا الكائن الغريب مكانها . لكنه في رحلته يتأمل في عيون الحيوانات المرافقة متعجبا لابد في كل لمعة عين قصة طويلة واهم من يظن ان الحيوانات فاقدة الاحساس هناك في المواشي من فارق ضنين له او رفيق اذ تبدو تلك العيون حزينة مليئة بالأسى وهناك من تنظر فيما امامها تقف في وجه الريح لامبالية بما قد ياتي في لحظاتها القادمة بل هناك ما قد تجد استحالة في وقوف ثابت في هذه المساحة الصغيرة فتظل في حركة دائمة لكنها رغم هذا القلق لاتستطيع تجاوز المساحة التي رسمت لتحركها فترسل انظارها في البعيد علها تستشف نهاية لهذه الرحلة المهلكة, ربما لايصدق الانسان ان تلك الحيوانات حين تنهمك في تفكير محزن تنهمر عيونها بالدمع لكن الحاج عبد الرحيم لم يرى لها ضحكة او ابتسامة لكنه لايشك ان ذلك بسبب معرفتها للنهاية المحتومة المرسومة لها في رحلتها .يظل الحاج عبد الرحيم في هذا التأمل ناسيا هدفه لم ومن اجل ماذا امتطى هذا الهيلوكس العجيب, وكل يوم بالنسبة له هو رحلة جديدة.

لكنه اليوم يدرك انه في غاية السعادة وهذه الاغنام رفيقته في رحلته الطويلة في الحياة تبدو له كائنات مدركة ودودة وصديقة تستشف مافي جوانحه من السعادة اذ بعد ايام سيكمل ابنه الوحيد الذي رزق به تعليمه في العسكرية وسيقوم الطلاب باستعراضهم في الميدان الكبير ميدان السبعين الذي لم يتسن للحاج عبد الرحيم رؤيته رغم رحلته الدؤبة الى صنعاء لكنه قرر ان يبحث عنه ليعرف الطريق اليه اذ ربما يحمل زوجته لمشاهدة ولدهما يوم الاستعراض الذي تحدث ولده عنه.

على مدى ثلاثة وعشرون عاما هي عمر عبد الرحيم الصغير. كان به الامل الكبير لأمه وابيه تماما كما كان لخطيبته التي وعدها او فالأقل حسب رواية الحج عبد الرحيم قرر الأيفاء بوعده لخطيبته باتمام الزفاف بعد التخرج.

دعوني احدثكم عن عبد الهادي الصغير كما حكى عنه ابيه.

لقد كان ولدا ذكيا يثابر على مدرسته الوحيدة في قرية الجراف وحين تعدى المرحلة الابتدائية ظل يواصل تعليمه في العاصمة ذهابا وايابا الى قرية الجراف مبكرا منها صباحا وعائدا منها ليلا لم يستيقظ الاب عبد الرحيم يوما الا على صوت باب البيت يغلق من قبل ابنه الذي لايدري هو او امه بأية طريقة او كيف يعيش ايامه ما يعلمونه انه يذهب الى التعليم العالي الذي لايستطيع تحصيلة في الجراف لكن مكان يثير عجب الاب ان ابنه كان يرفض اية نقود يعطيه اياها ماعلمه لاحقا ان ابنه قرر الالتحاق بالعسكرية التي تمثل للأب السلطة والجاه يومها اطال في صلاته شكرا لله واحس ان رحلته الطويلة في الحياة لم تكن بدون جدوى ففي المقابل وهبه الله هذا الولد الذي يساوي لديه الف ولد لأنه لم يكلفه شيئ في حياته بل لم يطالبه بأي شيئ. بل ويظل يردد انه سيكفية رحلة عربة البلس "التين" وسيكفي امه عبء التحديق في تطريز الليف بعد ان بدأ نظرها في التناقص حين يتخرج ويستلم وظيفته وراتبه الثابت.

حتى حين حدث اباه عن رغبته بالزواج قال له انه قد تدبركل شيئ مع خطيبته وان الاب ليس بحاجة ان ان يشعر بالقلق لذلك.رغم حزن عبد الرحيم الاب لعدم قيامه بتكاليف زواج ابنه الا انه شعر بالارتياح والفرحة ان ابنه تدبر كل ذلك بل وزاد حبا وفخرا بهذا الابن.

عبد الرحيم الابن مواطن يمني لم يجد الكثير في طفولته ليحكي عنه سوى انه امتلأ بالطموح ان يعتق والديه من ضنكهما في ايجاد لقمة العيش اذ ادرك باكرا الغاية المتعبة من رحيل ابيه اليومي والضروري بداخل الهيلوكس الى العاصمة وذلك بعد ان حمله معه يوما وبالحاح شديد ولم يكرر هذا اليوم بعد ذلك من سماعه ورؤيته لتلفزيون الحاج حسين الصغير الذي يضعه في البقاله والذي كان يحلو لعبد الرحيم الابن الذهاب اليه يوميا لمشاهدته وعمل وظائفه الدراسية كان يحلم ان يكون فردا فعالا في مجتمعه ولقد حفظها من كثرة ترديد المذيع في تلفزيون العم حسين لها ووجد ان العسكرية هي الطريق الذي سيجعل منه مواطنا فعالا في خدمة وطنه.

من حظه ان كانت الفتاة التي استجاب لها قلبه فتاة على وعي بالحياة بل وعلى قدر من التعليم جارة لمسكنهم لم تكن ظروفها بأفضل من ظروفه اذ يعمل والدها في مطحن القرية منذ الصباح وحتى العاشرة مساء ليحمل الغلة لصاحب المطحن الذي يجود عليه بدراهم قليلة نهاية كل شهر لاتفي بحاجة اسرته المكونة من خمسة اشخاص ولولا رفق الله به لكانوا اكثر من ذلك لكن ضعف بنية زوجته حددت خلفتها لثلاثةو جعلها تفقد اي حمل اخر.

  كان ابو زاهية كما اعتاد اهل الجراف تسميته يشكر الله بعد كل اسقاط من زوجته رغم حزنهما بعد ذلك توقفت زوجته عن الحمل نهائيا وكانت زاهية البنت الكبرى قرة عين ابويها وعونهم وسندهم في هذه الدنيا اذ تجاوزت ظروفها واصرت على الدراسة رغم مساعدتها لأمها في رعاية اختيها اللتان تصغرانها كثيرا اذ جعل الاسقاط المتكرر لأمها هذا الفارق ,لقد كفت زاهية ابويها حسرة عدم ارتزاقهما بصبي اذ كانت منذ عمر باكر هي السند لهما في احتياجاتهما الحياتية وكانت تساعد الطالبات الصغيرات مقابل نقود قليلة تسلمها ليد ابيها منذ ان اكملت مرحلتها الاعدادية لكم تمنت زاهية الالتحاق بالجامعة لكنها تعلم ان ذلك سيكلف والدها الكثير مما سيؤثر على معيشة امها واختيها لذا اكتفت بالثانوية تعمل بها كمعلمة في المدرسة الصغيرة الى ان لفت نظرها ابن جارهم عبد الرحيم الذي كان يغيب عن القرية كثيرا لكنها لاحظته وكأنه ينتظر ايابها من المدرسة ظهر الايام التي يكون بها بالقرية ثم يصاحبها من بعيد منكسا راسه في الارض وكأن الصدفة وحدها هي الفاعلة لهذا اللقاء الغير متقارب لكنه تخلى عن هذا الحياء حين تعرض لها يوما احد الشباب بمعاكساته فما كان من عبد الرحيم الا ان تقدم لحمايتها و حينئذ وجد في مرافقتها علنا في الطريق الذي تعبره الى البيت واجبا تحتمه حقوق الجيرة وكاحساس بالجميل ماكان من زاهية الا ان عرجت واياه على المطحن لتطلب من والدها شكره على حمايتها , بعد ذلك الموقف ربط الحب بينهما علانية وقرأ الابوان فاتحتهما وملاء عبدالرحيم قلب زاهية بالامل انها ستكمل تعليمها الجامعي بعد الزواج وحين ياخذها معه الى العاصمة بعد التخرج في 21 مايو اصبح عبد الرحيم وزاهية يوفرا من نقودها البسيطة بعد ازاحة عونهما للاسرة ماقد يمكنهما شراء العفش لبيتهما الذي اعلمها عبد الرحيم انه قد استاجره فعلا وانه يرقد فيه في الايام التي لايكون فيها بالكلية العسكرية وسيصحبها بعد التخرج وقبل الزفاف لأختيار الاثاث العصري الذي يعجبها والذي تراه في واجهة محلات العاصمة في زياراتها القليلة للتسوق في الاعياد وشراء كسوة اختيها الصغيرتين لقد اتفقا ان يكون الزفاف مقتصرا على العائلتين ورغم حزن ام عبد الرحيم لذلك اذ كيف لاتقوم "المحجرة " في القرية لولدها الوحيد لكنها شعرت بالرضا حين وعدنها جاراتها انهن سيقمن بالاحتفال والغناء دون ان يكلفها ذلك اي شيء بل ان بعضهن جدن بالقليل من المعونات البسيطة التي قدرن عليها لفرحتهن بابنهن عبد الرحيم الذي كان قرة عين كل الامهات لم تمتع به من الاخلاق العالية.

كانت قرية الجراف باكملها تنتظر تخرج ولدها لتكتمل الفرحة بالاحتفال المقرر لعرسه.

لكن خبر التخرج صك اذان اهل القرية بالانفجار المدوي الذي ناثر جسد عبد الرحيم الشاب واجساد غيره من الشباب الذي انتظر ابائهم فرحتهم بهم في هذا اليوم وامتلاء بيت الحاج عبد الرحيم بالنساء والرجال الذي كانوا قد وعدوا ان ياتون للغناء والفرح , لقد اتى الجميع للعزاء والبكاء بكاء ابنهم وبقية الابناء الذي ذهبو بدون اي ذنب سوى قدرة البعض على شراء معتوه فاقد الادراك لايفرق بين الجريمة والعقاب والحلال او الحرام , لقد تحطمت روح زاهية الى شظايا وكما حكت جاراتها انها ممتنعة عن الزاد والشرب وانها تمسك بيد ام عبد الرحيم التي تتناوب عليها هالات الاغماء والصحيان لكن الدموع لاتتوقف عن عين اي منهمااما الحاج عبد الرحيم فقد اعتكف بالمسجد بنفس حال عروس ابنه وزوجته من عدم تذوقه لزاد ولقد اعيا اهل القرية لرفضه القاطع هذا وحالة الذهول التي ترتسم على ملامحه.

انا ايضا لايمكنني القول انني افقت من حزني لكن هذه الحالة ذكرتني ان في بلادنا فرقة تسمى مكافحة الارهاب صرفت عليها الكثير من الاموال من الداخل والخارج وجلب لها من المدربين والخبراء الاجانب الكثير بل ولقد شاهدتهم في احد البرامج التلفزيونية بنفسي ويومها تسألت وانا اراهم باقنعتهم واستعدادهم المتاهب وراء قائدهم وقلت لنفسي لابد ان هؤلاء على تدريب عال وانهم فعالون في انقاذ البلاد من اي خطر ارهابي!

لكن كل هذا يحدث ولم اسمع يوم ما ان مكافحة الارهاب قد كافحت الارهاب الذي يشرد الناس من بيوتهم ويقضي على الشباب بين اهاليهم ويزرع الخوف في المدن والنفوس الآمنة, بل ولمَ لم نسمع الى ألآن عن مسيرة التحقيق في الحادث فهل اصبحت ارواح شبابنا بهذا الرخص ؟

هل وصلت الى مرحلة الاسف على هذا الوطن الذي ضاع وماذا يقول الناس بعد ان رأوا ما رأيته ام ان الحياة والموت قد تساوت عندهم ؟قلت لنفسي هذا وانا اتابع رحلة الاطفال الذين يقفزون بين السيارات في الجولات يمدون اذرعتهم الصغيرة النحيلة للشحاذة يتقافزون مثل ارانب برية .بعثهم اهاليهم للموت في سبيل لقمة يوم ؟

وجدت نفسي اردد بقلب طفح الحزن منه:

ماذا أحـدث عـن صـنعاء يا أبتي؟ مـليحة عـاشقاها: الـسل والـجرب

مـاتت بصندوق »وضـاح«بلا ثمن ولـم يمت في حشاها العشق والطرب

كـانت تـراقب صبح البعث فانبعثت فـي الـحلم ثـم ارتمت تغفو وترتقب

لـكنها رغـم بـخل الغيث ما برحت حبلى وفي بطنها (قحطان) أو(كرب)

وفـي أسـى مـقلتيها يـغتلي (يمن) ثـان كـحلم الـصبا... ينأى ويقتر ب

رحم الله شاع راليمن الكبير "عبدالله البردوني" الذي خبر ارضنا وحدث عن كل تضاريسها ماكان منها بل وماهو قادم

ملاحظة :

الحكاية من الواقع والاشخاص والاسماء حقيقية ولا خيال الا في طريقة الصياغة ورص الكلمات ومن اراد مقابلة الحاج عبد الرحيم فلينتظره في موقع انزال المواشي في مذبح سيعرفه حين يراه يحاول النزول جاهدا بعربته من العربة. هذا اذا افاق من ذهوله او قدر على العودة للعمل بعد موت وحيده.


في الجمعة 01 يونيو-حزيران 2012 04:42:35 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://m1.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://m1.marebpress.com/articles.php?id=15840