لكي ينجح الحوار ويخرج اليمن من أزمته
م/يحيى القحطاني
م/يحيى القحطاني

إن من اكبر الآفات التي أفرزتها أنظمة الاستبداد في عالمنا العربي من المحيط إلى الخليج والتي يجب التخلص منها تمهيدا للنهضة هي ثقافة ألاستبداد التي لم تترك زاوية من زوايا مجتمعاتنا إلا ولوثتها وأفسدت بذلك صفاء النفوس وعطلت أداء العقول وشوشت أجهزة السمع والبصر فجعلت هذه الأمة في حالة من الفوضى والتناحر والضعف والتبعية التي هي أشبه بغرفة كالحة الظلام مغلقة الأبواب سيئة الروائح خربة الجدران ،فإذا ذكرت هذه الأمة في المحافل الدولية كانت مثال للجهل والظلم والعنف وكافة مظاهر التخلف ،لأن امتنا كما ذكرنا تعاني من الاستبداد على كل مستوى ويصعب الحكم بصورة قطعية على ما إذا كان الاستبداد ينتقل من الحكم إلى بقية مؤسسات المجتمع أم انه يبدأ من الأسرة فينتقل إلى الحكم والاقتصاد والتربية وغيرها ، إلا إن الذي نعرفه أن هناك تأثير متبادل بين الروافد المختلفة للاستبداد الذي حل بهذه الأمة وهو غياب لغة الحوار التي يسودها الاحترام بين المتحاورين وتقود إلى نتائج ينبني عليها عمل يصحح مسار الأمة على كافة المستويات ، فقد كان سلاح أعداء الحقيقة دائما هو التشويش ومحاولة طمس الحقائق وتحريف الكلم عن مواضعه حتى لاتتغير أفكار الناس ومعها ممارساتهم، فأحيانا يرفعون أصواتهم بكافة أنواع اللغو حتى تضيع الحقيقة،وأحيانا يخوفون الناس من خطورة الاستماع إلى الرأي الآخر خوفا من تغييرا لعادات التي يمتطي بها هؤلاء المستبدون رقاب الناس لأنهم جهلاء،وأحيانا يتذرعون بان المصلحين يهددون الأمن،وأحيانا لايتورعون عن التفوه بإشكال البذاءات التي لأتدل على احترام الآخر أو حتى احترام النفس ، وهكذا دواليك والأمثلة على هذا السلوك الاستبدادي لأتعد ولا تحصى كما توثقه الرسالات السماوية وكما هو مشاهد في تاريخ الأمم وكذلك التجارب المعاصرة لأنظمة الاستبداد ، حتى أننا سمعنا وقرأنا كيف انه من بين شعارات المطالبون بالإصلاح في المجتمعات الغربية من وصل به الأمر في التأكيد على احترام الرأي الآخرالى حد القول " بأنني اختلف معك ولكنني مستعد للموت من اجل الحفاظ على رأيك والاستماع إليه " ونحن لدينا في تاريخنا من الأمثلة المتعلقة باحترام الرأي ما هو أعمق واقرب إلى الموضوعية من المقولة السابقة وكان علماء المسلمون يقولون لبعضهم البعض "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب" هذه الأمة التي اختارها الله لتكون خير امة أخرجت للناس وقد كانت كذلك في مرحلة سابقة حتى تخلت عن شروط الخيرية من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأيمان الصادق الذي وقر في الصدر وصدقه العمل ،وما نراه اليوم حاصلا ضمن سياسة الاستكبار وإغفال الآخر وتجنيد الحشود والأنصار لفرض قانون الغاب على الساحة الوطنية اليمنية, حتى أصبح الوطن ممزقا وموزعا ضمن تكتلات وأنظمة وجماعات وأقليات صغيرة همها الأول والأخير فرض أجندتها الخاصة والسيطرة على مساحات نفوذ اكبر, والحصول على مناصب ومراكز سياسية مرموقة , وساهم اختلاف الرؤى والمصالح الفردية الضيقة والتعصبات الحزبية في خلق أجواء مناسبة لزرع الفتنة بين أبناء الوطن الواحد , والافتقار إلى مبدأ ’’التعايش السلمي’’ أصبح جزءا لا يتجزأ من المنظومة الفكرية لمختلف الأطياف اليمنية ,وأدت إلى عدم القبول بل رفض الآخر,وإنكار مبدأ الحوار والتفاوض,وعدم التقبل بعيش وسلام تحت مظلة الوحدة الوطنية , بمختلف المذاهب والأحزاب والتصورات التي تفرضها قوانين المدنية الحديثة من التعايش والتآلف بين الشعوب والأمم. لأن ثقافة الجهل المخيم في بعض العقول تدعوا إلى الانفصال أو فك الارتباط وتنجذب بشدة إلى التقزم والانفصال والتشرذم , والدعوة إليها وبقوة كبيرة حتى وان بذلت الدماء والأرواح ثمناً بخساً لتلك الدعوات المأجورة للوصول إلى الغايات المرجوة , وتغافل دعاة الانفصال عن النظر إلى أسس الحضارة الإسلامية والعربية الواحدة , وتناسى البعض مع مصالح وقتية وأطماع بائرة أن الدعوة إلى تفريق أبناء الوطن الواحد دعوات هدامة تتنافى مع الفطرة الإنسانية الاجتماعية وتتناقض كليا مع مفاهيم القيم الأخلاقية والعقائدية الدينية،والباحث عن الحقيقية خاصة في زمننا هذا هو كالذي يمشي في طريق موحش لايسلكه إلا القلة الذين وفقهم الله لذلك ، لأن الذي يسلك هذا الطريق يجد نفسه يبتعد عن كثير من الناس ويضحي بكثير من متاع الدنيا ويطاله كثير من أذى السفهاء والجهلاء ، ولذلك فان بدايات هذا الطريق تكون قاسية على النفس ولكن عواقب السير فيه هي خير وسكينة ونعم ما بعدها نعم ، وهو طريق لاينبغي لأحد أن يدعي احتكاره عن غيره ، ولكن كما قلنا هو طريق يتطلب أولا التوفيق من الله وثانيا المجاهدة المستمرة للنفس وثالثا الصبر على الأذى حتى تكون النية صافية والأهواء مهذبة وان يكون الانتصار هو للحق وليس للنفس ألأمارة بالسوء.

وحتى الناس عندما تدخل في حوارات مع بعضها البعض تتفاوت في نياتها ، فهناك من يبحث عن الحقيقية وحدها ، وهناك من يبحث عن الحقيقة التي تتفق مع أهوائه ونزواته ، وهناك من يبحث عن الحقيقية التي لاتتعارض مع حاكمه ، وكل إنسان كما قال الحق سبحانه وتعالى "ألزمناه طائره في عنقه" ولا نريد أن نصدر إحكاما لكننا نريد أن نؤكد انه كلما كان المتحاور أكثر استعداد للوصول إلى الحقيقية المجردة حول الموضوع المطروح للنقاش ، من غير فرض قناعات مسبقة ، أو السعي لتجيير النتيجة لهوى في النفس آو لإرضاء جهة أخرى ،وكلما كان هذا المحاور اقرب إلى الحوار البناء الذي يجعله يصل إلى نتائج ذات معنى مع الآخرين ،كلما كانت مواقفه اقرب إلى العدل ، فلا بد إذن من أن تكون لديك حجة قوية لما تطرحه من أفكار ، وأن لا تغلق الباب أمام الآخرين وإمكانية دحضهم لأفكارك ، لأن هذا الانغلاق المسبق على الأفكار هو تسلط وجهل في نفس الوقت لأن مداخلات الآخرين ونقدهم وتعليقاتهم قد تكشف لك جوانب لم تستطع أنت أن تراها من زاويتك بسبب اختلاف الظروف والإمكانات والمواهب والتجارب ، وبالتالي فان احتكارك للحقيقة ليس مقبولا ولا نافعا لك ولا لغيرك ،وإذا كنت حقا تبحث عن الحقيقة فلن يضيرك أن تستمع إلى ما يقوله الآخر لأن في هذا الرأي الآخر إثراء لأفكارك وحماية لك من التمادي في الخطأ ، ومن هذا المنطلق يدرك اليمنيون جميعا أن البدايات دائما صعبة ومرتبكة , وقد تنطوي على كثير من سوء الفهم أو الظن أو اللا ثقة الكاملة , ويدركون أيضا أن قلة الخبرة والمراس والتنظيم قد يكون سببا لمثل هذه البدايات , لكنهم لن يستطيعوا تمرير أو تقبل ضيق الأفق وضآلة الهدف والتمحور حول التفاصيل الصغيرة في مقابل تجاهل أو إهمال الهدف الكبير والسامي للحوار المتصل بأمن اليمن واليمنيين وبتحولاتها السلمية والوطنية الكبرى, والأهم من هذا وذاك أنهم , أي اليمنيين, لن يحتملوا نكران دمائهم وتضحيات شهدائهم على يد المجموعات الإرهابية المسلحة من أجل ألعاب سياسية أو إعلامية عابرة وتافهة من أي جهة جاءت وأيا كان لاعبوها،حتى وان كانت تحت دعاوى مجابهة الظلم واجبا شرعيا,فالثورة اليمنية سبتمبر1962م وأكتوبر1963م قامت ضد نظام الظلم وألإستعمار والفساد بكاملة,والذي عانى منه اليمنيون جميعا شمالاً وجنوباً على حد سواء،وبنظرة متفحصة ومتأنية لجميع التحركات الفكرية والدينية والسياسية التي يموج بها الوطن , نجد أن حدة الصراعات لم تتوقف عند حدود الأطماع الشخصية لتلك القيادات والكتل, بل ساقت إلى المتاجرة بالقيم والمبادئ والمتاجرة بدماء الشهداء والثورة , وظلت تلك الوجوه القديمة المألوفة تعبث بمصير اليمن , ولم تترك فرصة للشباب والجيل الواعد ببناء يمن الغد والتحرك بحرية ومرونة أكثر لنفض غبار الأمس عن وجه الوطن , وصارت تلك الهياكل التي شاخت وهرمت وأكل الدهر عليها وشرب في دهاليز وأروقة السياسة تجر حبال الوطن إلى المجهول , وتعبر عن الأمس الذي تلاعبت فيه بمصير الوطن , وغرست أكثر المفاهيم الخاطئة التي ملأت العقول والأذهان ب ’’ ثقافة الكراهية’’ والاختلاف والتمزق والمؤامرة, التي زرعت في النفوس يجنيها الشباب اليوم ويترجمون تلك العلاقة الفاسدة بين فرفاء السياسة إلى ارض الواقع ،وخلاف وأخطأ الساسة الكبار يدفعه الصغار و يدفعها الوطن من خيرة أبناءة وشبابه ,وأوجدت صداما مريرا وخانقا بين جيل الأمس وجيل اليوم , بين كتلة المشايخ وجمهور الشباب , بين رموز القبيلة و الفساد ودعاة المدنية الحديثة والتطور, بين أفكار وعادات وتقاليد قديمة بالية وبين شباب تملئه روح الحرية والإخاء والتوحد والتقدم , ولم تترك فلول الماضي لهؤلاء الشباب الفرصة التاريخية لتحقيق العدالة ألاجتماعية وممارسة الديمقراطية والتبادل السلمي للسلطة وحلم التغيير,وقفت تلك الصفوف المتأخرة عن ركب الحضارة حجرا عثرة أمام طموحات الشباب وتطلعاته المشروعة, وسخرت كل الإمكانيات والقدرات المهولة لتقف حاجزا وسدا منيعا أمام الغد الأفضل , مستندة على ركائز الجهل وعوامل التهميش والإقصاء,هذا التضارب والتناقض المرير بين تيار الأمس وتيار اليوم ولّد تخبط وتعثر المسيرة الوطنية , وكلف الوطن الكثير من إهدار الدماء اليمنية الزكية دون وجه حق ،ولن يتسنى رسم لوحة اليمن الجميل الحضاري المشرق ونحن مازلنا نتمسك بعباءة الماضي ونسلم زمام المبادرة لأيادي عابثة لطخت بالفساد وبدماء الأبرياء,وكانت حتى الأمس القريب شريكا أساسيا في منظومة الفساد والقتل، ومما سبق فنحن اليمنيين بحاجة ماسة إلى إعادة تأهيل وطننا,والبحث عن مواطن الوحدة والاتفاق وزرع ثقافة الإخاء والتسامح , وطرق أبواب الحوار ومد النسيج الاجتماعي الوطني من الشمال إلى الجنوب ضمن نسيج الوحدة المتكامل ,ونحن بحاجة ماسة كذلك إلى تأسيس قواعد الدولة المدنية الحديثة وفتح باب أفاق التطور والبحث العلمي ودعم المسيرة التعليمية , وخلق وطنا أمنا مستقرا , فعوامل الأمن والاستقرار وحدها كفيلة بجذب الاستثمارات الأجنبية وخلق فرص العمل وتحريك العجلة التنموية ليصبح المواطن اليمني عنصرا منتجا وفعالا ,ونحن بحاجة ماسة كذلك إلى دفن الماضي ومخلفاته في منافي التأريخ والتطلع للغد بتفاؤل وأمل,وبناء الدولة المدنية الحديثة التي لن تتم دون تقويم الذات وإصلاح ذات البين وتعميق مفاهيم الوحدة , واجتثاث مظاهر العداء,للمضي قدما إلى أفاق التطور والحداثة والله من وراء القصد والسبيل.


في الخميس 07 يونيو-حزيران 2012 05:06:06 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://m1.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://m1.marebpress.com/articles.php?id=15937