رسالة إلى الأخوان المسلمين..
احمد الصبري
احمد الصبري

لا تهنوا و لا تحزنوا...ما حدث لكم اليوم...قد حدث لكثيرين قبلكم...أبتهجو...فهذا ليس نهاية المطاف و لا يزال المستقبل يعد بالخير...

لكني أود ان أتحدث إليكم عن الأسباب التي أدت الى المطالبة بتنحيكم عن الحكم و إدارة شؤون البلاد...فليتسع صدركم الرحب لما سأقول...

الإخوان المسلمون كجماعة دينية...و السياسة كمبدأ للعلاقات بين الدول...السياسة لم تشرع في الإسلام...السياسة مصطلح وضعي بشري...يحوي على الكثير من المراوغة و الخداع و هذا ليس من الإسلام في شيء فالإسلام واضح و صريح في أسلوب التعامل مع الآخرين...لكن هذه الصراحة و الوضوح لا تتفقان مع الممارسات السياسية العالمية و التي تستخدم على نطاق واسع بين معظم دول العالم...

عندما أتيتم الى الحكم...قطعتم وعودا باحترام سياسات مصر و علاقاتها و اتفاقياتها مع الدول الأخرى و من بينها إسرائيل...تلك الاتفاقيات التي تتعارض مع الشريعة الإسلامية...لكنكم أردتم إسقاط الشريعة على السياسة في تجربة جديدة و غير مألوفة...فجاملتم الكيان اليهودي الذي يفترض انه ألد أعداء الإسلام...و قبلتم بالقروض المقدمة من الخارج رغم علمكم بوجود الربا فيها و هو محرم شرعا و قمتم بالإجتهاد في هذا الأمر و أفتيتم أنها مصاريف أدارية و لم يجانبكم الصواب...و عندما يقارن المواطن البسيط بين مواقفكم قبل وصولكم الى الحكم و التغيرات العجيبة التي طرأت عليها بعد وصولكم إليه...يتولد لديه إحساس بأنكم نافقتم و تاجرتم باسم الدين من اجل الحصول على السلطة...و لا ألومكم...فالصدام بين ما يفرضه الإسلام و ما تفرضه أصول السياسة أربككم و تسبب في حدوث تناقضات رهيبة...و هذا ما أفقدكم المصداقية في قلوب الناس...

كان الإعلام و التلفاز محرما لديكم...لكنكم أنشئتم إعلامكم الخاص بقنوات فضائية و صحف و قدمتم أنفسكم للآخرين باعتباركم الإسلام بحد ذاته و أن أي إساءة لكم هي إساءة للدين و للمشروع الإسلامي...بينما انتم فئة من المسلمين فالإسلام لا ينحصر في جماعة...و هاجمتم معارضيكم و منتقديكم و كفرتموهم و ضربتم بتصريحاتكم الخاصة بالديمقراطية و حرية الرأي الأخر عرض الحائط...و مارس إعلاميوكم ممارسات لا تمت للوسطية و الاعتدال بصفة و هاجم شيوخكم الأجلاء معارضيكم و منتقديكم و اسقطوا عليهم شتى آيات القران و الأحاديث النبوية و اتخذتم منها أدلة على كفرهم و إلحادهم و أخرجتموهم من الملة و أهدرتم الدماء بكل يسر و سهولة من منطلق "ترهبون به عدو الله" و قدمتم صورة منفرة مخيفة للحكم الإسلامي...و طالما و إنكم قد قررتم ان تصبحوا صورة الإسلام أمام العالم...فقد كان حريا بكم إظهار سماحة و عدالة الإسلام و مدى سمو أخلاق المسلم...و هذا ما لم يحدث فألب عليكم معارضيكم و سبب استياء عارما من بقية التيارات الإسلامية..بل تسببتم في ظهور الطائفية و ازدريتم الأقباط و تحدثتم عنهم بنارية شديدة أغضبتهم فردوا عليكم بالمثل و من هنا تسببتم في انقسام الشعب بدلا من توحيده حول امر واحد...و للعلم...فكل من عارضكم لم يقم بذلك تجنيا عليكم و إنما دفاعا عن أنفسهم فأنتم من باشرهم بالهجوم...

أظهرتم مواقف ضعيفة في سياستكم الخارجية تجاه قضايا مصيرية كقضية سد النهضة في إثيوبيا و أظهرتم للعالم ان قرار إغلاق السفارة السورية ليس قرارا وطنيا بل موقف يخص الجماعة و نهجها مما أضفى عليكم صفة القيادة المنحازة لأجندة التنظيم و الغير منحازة لما تملية عليها مصلحة الوطن العليا هذا بالإضافة الى العديد من الأحداث الدولية الماضية و التي بدت مصر فيها ضعيفة على عكس صورتها السابقة و لم يتبادر الى أذهانكم ان الجميع سيعقد المقارنات بين مصر مبارك و مصر الإخوان و كان هذا يقتضي ان تبذلوا جهدا اكبر إلا أنكم لم تفعلوا..

رئيسكم السيد محمد مرسي...رجل خلوق و متميز...أنا لن انتقد شخصه بل سأنتقد أدائه كموظف في الدولة يحمل درجة "رئيس جمهورية"....فالأداء لم يكن مقنعا...و طاقمه المساعد لم يكن موفقا في أداء مهامه و على الأخص...إعداد خطاباته و مراجعتها و التي لم تكن مركزة و مقتضبة و تفي بالغرض و أصبحت مثار سخرية و تندر من الجميع...هذا إذا ما غضينا الطرف عن دولها المذهل و مضامينها المبهمة و كثرة الحشو فيها...و مواقفه تجاه الآخرين أيضا كانت تثير الحيرة...تناقضاته في خطابة السياسي قبل تولية الحكم و بعدة...كانت معاول هدم لمصداقيته كرئيس و رجل سياسي لدية مبادئ لا يحيد عنها...و يبدو انه قد اضطر لتغيير بعض مواقفه السابقة تجاه العديد من القضايا و السبب في ذلك ان تصريحاته السابقة كانت تنطلق من مبادئ دينية و شرعية...تصادمت هذه المبادئ مع متطلبات عملة كرئيس يمارس السياسة و التي بدورها تتناقض تماما مع مبادئة السابقة و من هنا نفهم انه لا يوجد شيء اسمه "الاسلام السياسي" كما أسلفنا سابقا..

قلة خبرتكم في أمور الحكم و إدارة شؤون البلاد و مصالحها منطقية تماما...فلم يسبق لكم دخول هذا المجال و كنتم قاصرين على المجال الدعوي الخيري...و بدلا من ان تقوموا بتعويض نقص الخبرة عن طريق التعاون مع من يملكونها من سياسيين ذوي اتجاهات تختلف مع اتجاهاتكم الفكرية و العقائدية...قمتم بممارسة الإقصاء الممنهج و السيطرة على مفاصل الدولة..ظنا منكم أنكم بهذه الخطوة ستقومون بأسلمة او "أخونة" الدولة و وضع رجالكم المخلصين فيها...متناسين تماما ان جوهر المنصب هو القدرة و الكفاءة في إدارته لا الولاء و الانتماء للجماعة...فظهر ضعف الإدارة جليا و ظهرت إخفاقات في مسائل عديدة و أفرزت أزمات في الكهرباء و المياه و المشتقات النفطية...و انتقدكم الآخرون و أوضحوا لكم مواطن ضعفكم...و بدلا من اخذ تلك الانتقادات بعين الاعتبار...و مراجعة خطواتكم السابقة...قمتم باتهامهم بالعمالة و الانتماء للنظام السابق و كأعداء لثورة 25 يناير و التي تدغدغ عقول الشباب و الفئات التي لا تنتمي للجماعة...بل تماديتم فوصفتموهم بأنهم ضد المشروع الإسلامي و ضد الإسلام مع ان المسألة كانت ابسط مما تتصور و تتمحور فقط في " الكفاءة و الخبرة "...

من كل النقاط السابقة...شعر الجميع أنكم غير قادرين على إدارة الدولة...و أنكم تتخبطون يمينا و شمالا دون جدوى...و ان الخطاب بين الرئيس و المرؤوس لم يعد مفهوما او مستساغا..و تكونت لدى الجميع فكرة واحدة و هي أنكم كقيادة..تخدمون مصالح فئة دون أخرى...تدعون عكس ما تفعلون...في عهدكم ستهوي مصر إلى هاوية سحيقة من المشاكل الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية..فما كان منهم الا ان قرروا استبعادكم لعدم قدرتكم على إثبات كفاءتكم في الحكم...و ليس لرفضهم الإسلام او المشروع الإسلامي...

لم يفشل الإسلام...و لم يفشل نظام الحكم بالشريعة الإسلامية...لأنه لم يتم العمل به أصلا...و لم يتم تطبيقه...عندما نريد ان نحكم بالإسلام فيجب ان تطبق كل شرائعه بحذافيرها...لا ان نأخذ بعضها و نغض الطرف عن الأخر بإعتبار أنها لن تتماشى مع متطلبات العمل السياسي...لذلك أقول لكم...لم يسقط الإسلام...بل اخفق الإخوان المسلمون في ممارسة السياسة و إدارة شؤون البلاد...

الإسلام نظام حياة متكامل...و السياسة أسلوب خداع و مراوغة و نفاق...فلا يلتقي الاثنان...انتم رائعون كجماعة متماسكة و مترابطة...أعمالكم الخدمية و الاجتماعية و الخيرية يشار إليها بالبنان...ابتعدوا عن التكفير و بادروا إلى التفكير فيما سبق...لا تقدموا أنفسكم كممثل رسمي ووحيد للإسلام فالإسلام اكبر من ان تمثله جماعة او مذهب...الحكم بشرع الله يتطلب ان يتم تغيير كل شيء..حتى سياسة الدولة تجاه الآخرين و تجاه القضايا الخارجية...لا يؤخذ بعض الإسلام و يترك بعضة الأخر بل هو سلسلة متكاملة...لن تتمكنوا من تطبيقها الآن...و تطبيقها يتطلب تغيرات كبيرة ليس فقط في مصر او اليمن...بل في المنطقة بأكملها...

أثق في قدرتكم على تجاوز هذه المرحلة و الاستفادة منها في مسيرتكم القادمة...كلنا نخطئ...و نتعلم من أخطائنا...فليحتوي كل منا الأخر و ليكن التعاون و النجاح و تغليب مصلحة الوطن هي ما يجمع بين الجميع...انتم أخوة أعزاء لنا و نكن لكم كل الحب و التقدير.


في الخميس 04 يوليو-تموز 2013 03:43:02 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://m1.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://m1.marebpress.com/articles.php?id=21199