الأخوة في الدين، وانحراف المفهوم
د.منصور علي سالم العمراني
د.منصور علي سالم العمراني

وصف الله عز وجل أمة الإيمان بأعظم وصف تجسد في واقعها بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ فهم إخوة في الله، ليس في شيء سواه، يسعى بذمتهم أدناهم، كما أنهم يد على من سواهم،كما وصفهم بذلك الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

ولقد كانت من أول المهام التي قام بها صلى الله عليه وسلم حين وصل المدينة المنورة بعد الهجرة مباشرة أنه آخى بين المهاجرين والأنصار، فامتزج الحب بينهم، وضربوا أروع أمثلة الإخوة في أروع صفحات تاريخ الإنسانية؛ استحقت أن ينزل قرآن بشأنها يسطرها خالدة إلى يوم الدين.

فالأخوة في الدين ينبغي أن تكون رأس كل ركيزة من ركائز شعائر هذا الدين، وأن يكون هذا الدين هو رمز أخوة الإنسانية جمعاء، كيف!! وهذه الرسالة عالمية التوجه والانطلاق، فلا شك أن الأخوة فيها شاملة لكل أطياف الإنسانية على وجه هذه البسيطة، من أبيض وأحمر وأسود، وعربي وعجمي، ليس لأحد فضل على أحد إلا بميزان التقوى.

فالأخوة إذن بمفهومها الواسع تشمل سائر البشر المنضوين تحت راية هذا الدين، وليست مقتصرة على فئة، أو تنظيم، أو جماعة بعينها، كما هو حاصل اليوم في صفوف كثير من الجماعات. فحينما تصبح الأخوة حكرا على أفراد ينتمون لتنظيم معين، وما عداهم هم خارجون عن إطار الأخوة؛ فإن هذا خطرا يهدد كيان هذه الأمة، وينخر صفها من حيث لا تدري، لأنه تجسيد لمفهوم العداء، وعدم قبول الآخر؛ ليكون عضوا وأخا فاعلا في كيان المجتمع المسلم العريض.

إن الحب في الله هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فلا يجوز أن نلوثه بالأفكار الضيقة، طالما أن أصول هذا الدين متفق عليها بين جميع الأمة الإسلامية، وإذا كان هناك أي خلاف في بعض الأمور الفرعية، فلا نريدها أن تكون سبيلا إلى العداء، وإنكار للأخوة مع الآخر،_ وأقصد بالآخر هنا: هو من كان في إطار دائرة الإسلام- كما ينبغي أن يكون خلافنا مع الآخر لا يفسد للود قضية، وأن يجعل كل واحد منا رأيه يحتمل الصواب كما يحتمل الخطأ، وما أجمل تلك العبارات التي سطرها الشهيد حسن البنَّا رحمه الله حول مفهوم الأخوة حين قال: (( أن ترتبط القلوب والأرواح برباط العقيدة، والعقيدة هي أوثق الروابط وأغلاها، والأخوة أخت الإيمان، والتفرق أخو الكفر، وأول القوة: قوة الوحدة، ولا وحدة بغير حب، وأقل الحب سلامة الصدر، وأعلاه: مرتبة الإيثار)).

فما أجمل هذه الكلمات التي سطرها الإمام رحمه الله، فهي تبين معنى الأخوة واستشعارها لدى أفراد الأمة، وما أحوج الجماعات اليوم أن تستفيد من هذا المفهوم، وتبتعد عن الإنغلاقات الضيقة التي تحصرها في إطار تنظيمها فقط، دون الانفتاح العريض على بوتقة الأخوة الشاملة التي جسدها الدين الحنيف.

إن هناك الكثير من هؤلاء من إذا رأيته وبادلته البسمة العريضة الدالة على صفاء الأخوة، ووحدة العقيدة، فلا تراه إلا عابسا مكفهرا، ولو حاولت تقصي الأمر من بعيد؛ لرأيت أنه يعدك أنك لست من عناصر ذلك التنظيم الذي ينتمي إليه هو، فهو من وجهة نظره لا يراك إلا خارجا عن دائرة هذا الدين إن لم يخرجك عن محيط الإنسانية الكبرى، لمثل هؤلاء نقول لهم: دققوا جيدا في نصوص الكتاب، وصحيح السنة المطهرة، لترون عظمة هذا الدين، الذي بنى الأخوة الشاملة على الحب في الله، والبغض في الله، وليس الحب أو الكره لمجرد تنظيم، أو حزب، أو إطار يشمل فئة معينة من الناس، وإذا ما استشعرت الجماعات المختلفة هذا المفهوم، حينها سنرى عظمة الأخوة الشاملة والوحدة المطلقة، التي ننطلق من خلالها إلى عالم أوسع، تحفه الرحمة والتعاون والتآلف بين المسلمين، لتجسد مفهوم الأمة الواحدة، والإنسانية الشاملة بإذن الله تعالى.


في الثلاثاء 01 أكتوبر-تشرين الأول 2013 04:25:24 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://m1.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://m1.marebpress.com/articles.php?id=22243