والله إنها لكارثة أيها العلامة المطاع !!
عبد المجيد الغيلي
عبد المجيد الغيلي
  ألم يكن أولى بك أيها الشيخ أن تنهض من مرقدك فتقابل ربك وأنت خلو من دماء تسفك، وستدخل قبرك وتلك الدماء حاملة فتواك العريضة الطويلة، التي خلت من روح القرآن، واصطبغت بالسياسة باسم الدين... هل المجاهدون من يقتلون إخوانهم المؤمنين في اليمن أو في لبنان أو في سوريا أو في العراق؟ أهذه شهادتك التي تلقى بها ربك غدا؟

كنا ننتظر فتوى لرأب الصدع، ولكف البغي، ولترك السلطة بحسب ما يتراضى عليه الناس، لا باغتصابها بالقوة، وتعميد الطرق الهمجية لنيل السلطة!!

كنا ننتظر فتوى تدعو السياسيين والطامحين إلى السلطة، المتطاحنين عليها، إلى تحكيم العقل وترك الأهواء والمصالح الشخصية، لا تزكية أحدهم (ودعوتنا إلى السجود لربنا أن خلقه فينا)، وتكفير خصمه وخلع ثوب الإسلام عنه، وقذفه إلى الجحيم مع أصحاب الجحيم...

ثم كيف نختزل عظمة ربنا فنسجد له؛ لخلقه رجلا منا، أثمة وحي أنزل عليه حتى يتميز علينا؟ أم أنه مثلنا بشر، يصيب كما نصيب، ويخطئ كما نخطئ؟! ألا يستحق ربنا السجود لو أنه لم يخلق فينا هذا الشاب؟!

**

دعَونا ولا زلنا ندعو إلى إغلاق باب "التكفير" الديني ... لماذا؟ لأنه أصبح بابا لاستحلال دماء الناس وأعراضهم.

يلجأ الإنسان (غالبا) إلى "التكفير"؛ لأنه يحتاج إلى غطاء ديني مقدس لبغيه وعدوانه على الآخرين، سواء بغيه بقلمه ولسانه أو بغيه بيده وسنانه... وليوهم نفسه وغيره أنه لا ينتصر لنفسه، بل ينتصر لربه...

رفضنا توصيف القتال في اليمن أنه قتال إسلام وكفر، أو سنة وشيعة، ولا زلنا نرفض هذا التوصيف... إن فتح باب التكفير، سيجعل كل طائفة تقاتل الأخرى باسم الدين الذي تنتسب إليه، وباسم الكفر الذي تتهم به غيرها...

القتال في اليمن ليس قتالا طائفيا، والذين ينفخون في نار الطائفية فإنما يوقدون نار الحرب، ويشعلونها، ولن تتوقف الحرب ما دامت طائفية، فكل طائفة ستظل تقاتل حتى تفني الأخرى ... وحين تكون الحرب طائفية؛ فلن يكون هناك مجال للصلح وللتعايش...

الله سبحانه وتعالى لم يشرع لطائفة من الناس أن تقاتل طائفة أخرى، لمجرد عقيدتها... وإذا كنا نعتقد ذلك، فإننا نعطي الحروب الصليبية مبررا، ونعطي القتل الطائفي في العراق وسوريا، وفي بورما، نعطيه مبررا دينيا، فإذا كنا نقاتل غيرنا لدينه وعقيدته، فغيرنا أيضا سيقاتلنا لديننا وعقيدتنا... فهل هذه شريعة الرحمن أم شريعة الشيطان؟!! أما ربنا فيقول: {لا إكراه في الدين}، ويقول: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}.

شرع الله القتال لصد بغي الباغي وعدوانه، {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا }.

**

والنقطة الأخرى، لفظ "الجهاد" أصبحت كل طائفة تدعيه وتحتكره... فحسبنا الله ونعم الوكيل.. القرآن الكريم يصف القتال بين المؤمنين أنه قتال، ولا يسميه جهادا، قال تعالى: {وَإِن%؟\؛ُD8َائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ}، فالقتال يقع على المؤمن وغير المؤمن.... فثمة طائفة باغية، والشرع أوجب قتالها (وليس جهادها) بالرغم من أنها مؤمنة.

أما مصطلح "الجهاد" فيطلق في القرآن الكريم في حالتين:

الأولى: وصف دفاع المسلمين على أنفسهم لصد بغي وعدوان المعتدين (غير المسلمين) عليهم.

الثانية: وصف قتال المعتدين (غير المسلمين) الذين يحولون دون وصول دين الله إلى الناس.

فالجهاد إذن حين يكون الطرف الآخر الباغي ليس مسلما ... أما في اليمن فكلا المتقاتلين مسلمون، يشهدون ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله،... فإذا بغى المسلم وجب قتاله حتى يكف عن بغيه وعدوانه.

**

ثم القول (قبل أن تأتي داعش لتفرض عليهم حكم سعد بن عبادة)... فلماذا الغض من صحابي صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم (سعد بن عبادة)، ونبش سيرته بعد 1400 عام؟ ولعلك تقصد (سعد بن معاذ)؟! وفي هذا القول غض من رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، الذي أقر حكم سعد بن معاذ في حكمه على طائفة بغت واعتدت وهددت الوجود المجتمعي للمسلمين. وإذا كان سعد هو من حكم، فإن الذي نفذ هو رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه ...

حتى ولو كنت لا تكن احتراما لهذا الصحابي العظيم، فهذا شأنك ولسنا نلزمك به، ولكن كان عليك مراعاة مشاعر الناس الذين يحترمونه، وعدم التهجم على رجل له مكانته عندهم.

**

ويحكم أيها المحرضون، ألا تعرفون طريق الجنة إلا بالدماء؟ أأنتم أعرف بطريق الجنة أم ربكم الذي أعدها للمؤمنين، ووصف الطريق إليها ... وهو الذي حرم الدماء وصانها وقدسها؟!!

أدخولي الجنة يقتضي أن أملأ كيسي من نفوس الناس، ودمائهم ...

هل ستكون مرتبتي في الجنة بعدد النفوس التي قتلتها؟؟ وبجوالين الدماء التي (سفكتها) أو (شربتها)؟

أليست هذه أفكار "مصاصي الدماء"، الذين يزعمون أنهم يستمدون طاقتهم وقواهم من دماء البشر وهم أحياء. وكأننا ندخل الجنة بعد أن نشرب دماء الآخرين، وكلما كان الدم نقيا كان أقوى وأزكى!!

اللهم إني أبرأ إليك.

**

وإذا كانت صدرت هذه الفتوى من العلامة #المطاع، فإننا نذكر بقوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}... للأسف يستغلها بعض الخصوم للهجوم على الزيدية برمتها، ويستدلون بهذه الجزئية على أن "الزيدية" فئة تكفيرية... وهذا من الفجور في الخصومة، ومن ظلم الآخرين بجريرة بعضهم..

ينبغي أن نتخلص في قرائتنا للتاريخ وللأحداث من منطق التعميم، فمنطق التعميم هو منطق جائر، مثله مثل التكفير... التعميم يعطي المبرر المنطقي للنفس البشرية في انتهاك حقوق الأبرياء، ومن ثم يرى أنهم مثل غيرهم من المذنبين، كلهم في خندق واحد...


في الأربعاء 20 يناير-كانون الثاني 2016 05:41:50 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://m1.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://m1.marebpress.com/articles.php?id=42021