لماذا يقدر الكوريون السعوديين؟
تركي الدخيل
تركي الدخيل

السعوديون الذين شهدوا الثمانينات الميلادية، لا يمكن أن يغيب عن أذهانهم منظر ورشة البناء، خصوصاً في العاصمة، الرياض، لمشاريع مهمة ضمن تأسيس البنية التحتية السعودية، وهذا المشهد لا يمرُّ من دون تذكر العمال الكوريين الذين كانوا يعملون بجد وإخلاص وتفانٍ، في مشاريع البناء والتعمير، التي أوكل كثير منها لشركات كورية.

بعد نحو من أربعة عقود على تلك المشاريع يرى من شهد تلك الفترة أن تلك المشاريع ما زالت تحافظ على جودتها وقيمتها، ما يؤكد نجاح مساهمة الشركات الكورية في المشاركة بمسيرة البناء في السعودية.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي يقطع ببلاده مرحلة تجديد وتحديث شاملة، برعاية الملك سلمان، ذكّرنا بتلك الحقبة المهمة وهو يزور كوريا قبل أيام، عندما أكد ضرورة تكرار تجربة الشراكة السعودية - الكورية الناجحة، بما يعود على الطرفين بالنفع.

والذين يعرفون الأمير السعودي يدركون أنه لا يمكن أن يوافق على زيارة رسمية لدولة صديقة ما لم يكن الإعداد لها جيداً، بما يضمن إنجازاً في سبيل الشراكات السعودية مع دول العالم، وهو ما شهد له توقيع عشرات مذكرات التفاهم وعقود المشاريع بين الرياض وسيول خلال الزيارة.

غير أن الاحتفاء بالأمير، الذي بات أيقونة تفاؤل واعتزاز وفخر لدى الشباب السعودي على وجه الخصوص، وهذه الفئة تشكل 75% من السعوديين، في القصر الأزرق بسيول، الأربعاء، من قِبل الرئيس الكوري الجنوبي مون جاي إن، اكتسب معاني مضاعَفة. فهو احتفاء يعكس تقدير كوريا الجنوبية لمشاريع التجديد والتطوير التي طرحها محمد بن سلمان، ويعكف هو ومجاميع العاملين معه على التأكد من تنفيذها دون أن يجد غضاضة أو حرجاً في إمضاء تصحيح مساراتها إذا وجد أن تنفيذها عملياً يعوزه تطوير أو تحوير أو حذف أو إضافة.

وهو احتفاء العارف والمجرِّب ومَن اختبر تحديات التحول عن قرب واحتفاء دولة من قلائل الدول في العالم التي كانت في الخمسينات ثاني أفقر دولة في العالم، وفق الإحصاءات الأممية، قبل أن تتحول خلال أقل من ثلاثة عقود، إلى واحدة من دول العالم الأول، حيث تتصدر الاستحواذ على النسبة العظمى من السوق العالمية في صناعة السيارات وتصديرها، وصناعة وتصدير بواخر الشحن، والحديد، والشرائح الإلكترونية، ولتكون رقماً مهماً في الاقتصاد والابتكار والتحول الممنهج من القاع إلى القمة.

مهما اتهمني الأصدقاء بحب اليابان وذكر قصصها، إلا أنَّ لكوريا الجنوبية مكاناً خاصاً في قلبي، والأسباب كثيرة لكن من بينها ما أخصك به صديقي القارئ العزيز في السطور القادمة، وهو غيض من فيض ما سمعته من صناع المعجزة الكورية الجنوبية في مقابلات مباشرة خلال زيارتي لها عام 2012.

قبل أن يعلق ولي العهد على الخطة الخمسية الكورية (2017 - 2022)، خاطب الأمير، الرئيس مون جاي إن، والحضور بقوله: «كما تعلمون فخامتكم أن المملكة العربية السعودية قد وضعت خطة تحول تاريخي وهي (رؤية المملكة 2030) حيث تغطي هذه الخطوة الطموحة ثلاث ركائز: اقتصاد مزدهر، ومجتمع حيوي، ووطن طموح. ونتطلع من خلال هذه الرؤية إلى أن تكون المملكة قوة استثمارية رائدة، ورابطاً بين قارات العالم». الاقتصاد المزدهر ليس تصديراً للنفط وتكريره فحسب، بل توطين للصناعات، وهذا عين الطموح ووطنه، ولا أجمل من تجربة كوريا الجنوبية في توطين الصناعات، وهم ينسبون الفضل إلى السيد وون إن جا.

عندما أرادت كوريا أن تبدأ مشاريع البناء بجدية تلفتت يمنة ويسرة بين الدول والبنوك والشركات بحثاً عمن يُقرضها فلم يقبل أحد بإقراضها، فمن يُقرض الدولة التي تقبع في المركز قبل الأخير لأكثر الدول فقراً في العالم. حينها، جاء السيد وون بفكرة طموحة جريئة بسيطة جداً وغير مكلفة، فالرجل الذي كان باحثاً في التطوير الصناعي وسياسات الطاقة أقنع قائد طاقم الرئيس الكوري بفكرته لينقلها الأخير للرئيس الذي طلب مقابلة السيد وون. المقابلة التي يعتبرها مفوض المِلْكية الفكرية السابق في كوريا الجنوبية، في حديثه إلى العبد الفقير إلى الله، نقطة البداية في تاريخ الصناعات الكورية: «حتى الأسلحة المعقدة يمكن أن تقسَّم إلى قطع صغيرة، ومن ثم توزع وتخصص القطع على الشركات الكورية التي تلتزم ببحث سبل تطوير تلك القطع مع مراعاة الجودة في إعادة التركيب والإنتاج. والأسلحة بالذات -في البلد الخارج للتوّ من الحرب والساكن دوماً على خط النار دائماً- تُنتج محلياً ولا تُستورد»!

من نافلة القول أن أضيف إلى فكرة السيد وون تشدده في رفض انتظار الفرج من الدول العظمى، فالذي لا يريد إقراضك اليوم لن يسمح لك بالتسلح غداً!

في اليوم التالي للاجتماع قرر الرئيس الكوري تأسيس «قوة المهمة الخاصة»، تحت مراقبة مباشرة منه، على أن يكون رئيسها السيد وون. مهمة تلك القوة اقتصرت على إنتاج الأسلحة لجيشٍ قوامه 2.5 مليون شخص. بعد ذلك، تأكدت لقوة المهمة الخاصة استحالة خلق منظومة دفاعية دون وجود صناعة كيميائية. وفي مطلع السبعينات الميلادية، بعد أن أتقن الكوريون التفكيك وإعادة التركيب، مع التجديد وإضافة اللمسة الكورية على المنتجات، تحولت كوريا الجنوبية إلى عملاق صناعي ينافس في سوق السيارات وصناعة السفن وصولاً إلى الشرائح الإلكترونية، حتى بلغ الصدارة عالمياً.

لم يَغفل الكوريون عن أهمية أن يصاحب النهضة الصناعية والتقنية تصديرٌ لثقافتهم، فأسسوا مشروع «الموجة الكورية» الذي يركز على الإبداع في الإنتاج التلفزيوني والسينمائي، ليقنع العالم بمسلسلاتهم وفنونهم وموسيقاهم ومطبخهم ومأكولاتهم. واليوم، أصبح الواقعون في غرام الثقافة الكورية، من فنون ومسلسلات وموسيقى ومأكولات، بالملايين حول العالم، وتجاوز لدى كثير منهم الإعجاب والغرام بالقوة الكورية الناعمة، ليصل إلى مرحلة الافتتان. أقول ذلك وأعني كل كلمة مضت، كتبتها بالاستقراء والمتابعة والرصد، والتأكد من الأرقام، عدوة التعميم والمبالغة.

إن خبر نفاد تذاكر الفرق الموسيقية الكورية في حفلاتها التي تجوب بها العالم، يعد من الأخبار التي يمر عليها المثقفون العرب دون تعليق أو انتباه حتى، ربما لأن انشغالهم الدائم بانتقاد الغرب ملأ أوقاتهم وصرفهم عن سباق جهات الشمس، لتقديم نماذج مختلفة، عملها بصمت ودأب عجيب، لم يجافها عن التفوق المبهر.

يحمل الكوريون تقديراً نوعياً للسعوديين والقيادة السعودية، فثلاثة من رجال الأعمال الذين قابلتهم في زيارتي التي حاولت أن أتعرف فيها على التجربة الكورية، من فم الأسد، قالوا لي معنى واحداً بمفردات مختلفة: «لقد آمن بنا السعوديون في وقت لم نكن نحتاج فيه إلى غير الثقة»، بالإشارة إلى اتفاق السعودية مع شركات كورية لتسهم في بناء البلاد في مطلع الثمانينات الميلادية، كما أسلفنا. الامتنان الذي رأيته في أعينهم كان من نوع غريب.

الحقيقة التي لا مفر من قولها هي أن الشوط الصناعي الذي قطعته كوريا الجنوبية خلال بضعة عقود يشبه تجربة السعوديين مع النفط في المدة ذاتها. كلا المجتمعين مرَّ بتحولات سريعة في مرحلة زمنية قصيرة، لذا سألت صديقي الكوري السيد جنغ سك كوه، مفوض الملكية الفكرية السابق في كوريا، وهو منصب تقع تحت طائلته مسؤوليات تعليمية كبرى: في بلادنا لا يستوعب الجيل الشاب كيف أن جيلاً يعيش معه كان يتنقل بين مدينتين في مسافة تقارب ألفي كيلومتر مشياً على الأقدام، بسبب الطفرة النفطية التي قلبت نمط الحياة رأساً على عقب، ألا تعانون من إشكاليات التحول السريع في الحياة، اجتماعياً؟

فجاءني الجواب الواثق: «منذ بدأنا مرحلة توطين الصناعات والاعتماد على التصدير، ونحن نمشي باتجاه دول 2050، وذلك كله في أقل من جيلين فقط. بالتأكيد لدينا صدمتنا الحضارية، ونعد أنفسنا مجتمعاً مشوشاً، فالجيل الكوري الجديد الذي لم يعش الفقر ولم يعرف القواعد العسكرية الأجنبية، يُشعرنا بقلق ثقيل عليه، نتمنى أن تكون الصورة معكوسة لديكم في الخليج، فالمستقبل -ما زال- أمامكم!».

قبل أن أغلق شاشة الأخبار، كنت أرى الأمير الطموح محمد بن سلمان، واقفاً بشموخ في القصر الأزرق، بجوار الرئيس الكوري. تذكرت حواراتي في كوريا والمستقبل الذي ما زال أمامنا، واسترجعت حديث الأمير في مقابلته التلفزيونية الأولى مع كاتب هذه السطور، وهو يؤكد أهمية النفط، ويحذر من ظاهرة تقديسه وإدمانه، مؤكداً أن جده المؤسس، وأعوانه، وحّدوا البلاد، وواجهوا الأطماع، ومنعوا دخول الدول العظمى لشبر من أراضيهم، من دون نفط!

  
في الجمعة 28 يونيو-حزيران 2019 07:35:57 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://m1.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://m1.marebpress.com/articles.php?id=44407