علي محسن الأحمر.. في ألوجه الآخر!!.
عبدالفتاح الحكيمي
عبدالفتاح الحكيمي
 

منذ تلك اللحظة أدركت إن علي محسن الأحمر ليس نسخة من علي عبدالله صالح ولا الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، فقد تعارض موقف الرجل من قضيتي مع مخزون التعبئة الدعائية المضادة في دماغي عن رموز حكم المرحلة و آل الأحمر المسيطرين حينها والمتشبثين بالسلطة بلا حدود ككابوس خانق.

إختلاف عقلية الرجل وطريقة تفكيره أعادت الكثير من حساباتي وصقلت تجربتي في الحكم على الآخرين بأخلاقيات ومعايير جديدة تحترم عقلي أولًا. لكن أصوات التعبئة الأيديولوجية لشاب قادم من جنوب اليمن إلى صنعاء بعد عام ١٩٩٠م تحول دون رؤية الأشياء على حقيقتها..

وهكذا عندما يفكر لك الآخرون وبالأنابة عنك، ويستلبون أرادتك الذهنية بطوعك واختيارك. ورغم ميلي إلى التمرد على المألوف إلا أن حجم التضليل المعلوماتي والنفسي يعمي البصيرة.

* ما الذي حدث *

في أغسطس- سبتمبر ١٩٩٥ صدرت مجلة معين(شبه الرسمية) التي كنت رئيس تحريرها بشكل ومضمون إعلامي وسياسي مختلف بعد توقفها وموتها لسنوات، وتفاجأت بطلب الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر رحمه الله رئيس مجلس النواب من الرئيس صالح توقيفي الوظيفي من مؤسسة الثورة للصحافة بعد أن ضجت قيادات حزب الإصلاح العليا إلى درجة تلويح الأستاذ عبدالوهاب الآنسي نائب رئيس الوزراء بالأنسحاب من الائتلاف الحكومي مع المؤتمر. وابتهج المؤتمريون في انتفاشة كرنفالية بالحدث بعد أن نشرت في المجلة مقالًا ضافياً لم أكن أتوقع انتشاره وتداوله لعدة أسابيع كحدث إعلامي.. كان بعنوان :( ألأصلاحيون..

هرولة نحو السلطة) باسم مستعار. قال لي الأستاذ محمد ردمان الزرقة رئيس مجلس إدارة مؤسسة الثورة للصحافة والطباعة والنشر : ألأجواء مشحونة وعلي الشاطر اتصلوا بي من عدن قصر معاشيق، والرئيس هناك وعبدالوهاب الانسي منزعج مرتين، من المقال، ومن نشر صورته ملونة في الغلاف مع العنوان) قاطعته للمزاح( يمكن إن الصورة ما اعجبته، سوف نختار له صورة أفضل في العدد القادم) ضحك رحمه الله وهو يقاطعني( أيش من عدد قادم الشيخ عبدالله مستاء جداً، ما به إلا تبتعدوا عن المؤسسة لفترة، وشا نبسر ما شيقولوا).

كانت علاقة الإصلاحيين بالمؤتمريين بعد ائتلافهم الحكومي بعد حرب ١٩٩٤م في أسوأ مراحلها في تعز على وجه الخصوص وعدن نسبياً وحضرموت وشبوة مع احتدام الأستحواذ على المواقع الإدارية من تقاسم تركة الحزب الإشتراكي، إلى سؤ استغلال وزراء ووكلاء الطرفين السلطات لأقصاء وإحلال محسوبي كل طرف على حساب الآخر في إدارات وأقسام الوظائف بمؤسسات ومرافق وإدارات الدولة. قيادات المؤتمر العليا اعتبرت مقالتي إعادة اعتبار لها بعد كل شكاوى قيادات حزب الإصلاح المريرة من مجلة معين التي طالبت بإغلاقها، وزاد إن الأستاذ نصر طه مصطفى المحسوب على الإصلاحيين شعر بالندم ربما لأنه كان من موقعه قبل أشهر كمدير عام لمؤسسة الثورة للصحافة أكثر المتحمسين والداعمين لإعادة إصدار المجلة وتقديم التسهيلات الإدارية والمالية لها، والرجل منفتح في علاقاته الشخصية أكثر مما تبدو عليه كتاباته المتشددة التي سبقت حرب ١٩٩٤م في صحيفة الصحوة، ودفع لاحقاً ثمناً باهض بسبب تقارباته وانفتاحه الجديد على الأشتراكيين واليساريين، ومجلة نوافذ التي أسسها ورأس تحريرها تميزت بمهنية وروح سياسية جديدة اسْتَعْدَت عليه المتطرفين الذين اعتبروا فتح نوافذ لكتابات المخالفين للتنظيم فكرياً عورة كبرى( وعيب أسود)، وتغلق فوراً.. ما اضطره إلى الإنضمام للمؤتمر الشعبي العام لحماية نفسه منهم مما كانوا يبيتون!!

. * لماذا علي محسن ؟ *

كان أغرب ما نقله لي أحد المنتسبين إلى الفرقة الأولى مدرع إن للجنرال علي محسن الأحمر رأياً وموقفاً مختلف من ما نشرته مجلة معين ضد حزب الإصلاح، ونقل لي عنه هذا الشخص الموثوق كلام الرجل من لقاء شخصي معه وهو: ( لماذا لا تكون مجلة معين هذه في تناولاتها مثلها مثل صحيفة الأيام في عدن، نحن بحاجة إلى تنويع خطاب الإعلام الحكومي والانفتاح على النقد والتناول مهما كان جارحاً) كما ورد على لسان محسن..

وكانت صحيفة الأيام في عز مجدها الإعلامي بسبب انفتاح خطابها العام والأنتقادي على قضايا المجتمع والسياسة بعد تراجع مستوى صحيفة التجمع الشهيرة بعد حرب ٩٤م. هل يصدر مثل هذا عن علي محسن الأحمر الذي أخمد انقلاب الناصريين ويكتم على أنفاس صنعاء بدباباته ومجنزراته والرجل المثير للخوف وهلع الصحافيين قبل غيرهم بحسب تصورات ذهنية سابقة؟.

كنت أكثر سعادة ليس بوجود من يقف مع الحرية المسؤولة للتعبير من داخل النظام، ولكن إن يأتي ذلك من الشخص الذي حَمَّلُوه كل أوزار النظام الحاكم، وصنعت الأجهزة الخاصة حوله ومنه صورة مغايرة عكسية لطبيعة شخصيته لحماية شعبية رأس السلطة !!.

شعرت بجرعة حرية أكبر لم ألتفت بعدها إلى ما قالته الزعامات الأخرى أو ينوي البعض فعله وايذائي على ذمة ما نشرته عن حزب الإصلاح. ومن حيث لا يدري الجنرال العنيد علي محسن الأحمر قدحت أفكاره الأنفتاحية في ذهني وما كان عندي من تصورات تطوير خطاب المجلة للتعبير عن مختلف التيارات والتوجهات السياسية-الحزبية والمذاهب والفرق الدينية في اليمن كخط جديد ثابت في المجلة التقى فيها الإسلامي بالعلماني والسلفي بالإسماعيلي والزيدي بالشافعي والصوفي بالماركسي، وبفرص متساوية في التعبير لرموز المعارضة والسلطة الذين يجمعنا معهم قاسم المواطنة، وتمويل الإعلام الحكومي من المال العام كملك للجميع وليس لحزب السلطة الذي لديه منابره وإمكانياته.

زادت حظوة المجلة بين القراء والطبقة السياسية بعد تخفيف تناول حزب الإصلاح وقياداته وأشراكهم في مناقشة الملفات الساخنة، وزاد حجم المبيعات والأشتراكات بفضل الجهود الجماعية لطاقم التحرير والفنيين.

* علاقتي بالرجل *

ولأنني أضع غالباً مسافة في علاقاتي برجال السلطة العليا للدولة لخصوصية المهنة وحياديتها لم ألتقِ بالجنرال وجهاً لوجه في حياتي إلا من خلال ما عرفته عنه من محرر الركن الفني في مجلة معين زميلنا المثابر عارف الشوافي الذي فاجأني رحمة الله تغشاه بانتسابه الوظيفي إلى الفرقة الأولى مدرع وعلاقته الممتازة بمكتب قائدها الذي انطبع في أذهان عديدين تشدده وصرامته وانغلاقه ومحاربة لغة وثقافة وفنون العصر والحريات والتجديد على طريقة غوبلز !! وذات يوم قال لي الأستاذ عبدالكريم الخيواني رحمه الله بعد خروجه من المعتقل اعتقدت إن الأفندم علي محسن الأحمر من رفع ضدي الدعوى القضائية بسبب مقالاتي ضده في صحيفة الشورى ليتضح إن الرئيس صالح من رفعها وأصر على مواصلة التقاضي والحكم والسجن.

. ومن طباع علي محسن الأحمر وسجاياه الأخلاقية النبيلة الترفع عن الصغائر وزوابع الإعلام والكيد السياسي وإلا لقضى عمره الى اللحظة في دهاليز النيابات والمحاكم وليس في جبهات الشرف.. يتأثر كأنسان بالزوابع المفتعلة لكن صفة التسامح الكبيرة لديه وثقته بنفسه وصوابيته تنسيه ثرثرات قنوات التلفزة وأهل الفسبكة والوَاتْسَسَة.

*محسن والسلطة *

لم تكن السلطة بالنسبة للفريق علي محسن الأحمر طوال الست السنوات الاخيرة من الحرب قالب شوكلاته ولا حوراً عين وجنات النعيم، بل مشاق ومهاماً جسيمة يصعب حملها على السماوات والأرض والجبال، بلون كارثة حرب الأنقلابيين الدموية المدمرة ، حضر كقائد كبير مقدام وفارس وجندي لا يشق له غبار في ميادين البطولة والشرف وليس كمسمى نائب رئيس جمهورية يأخذ منه المنصب أكثر مما يعطيه، فأعطى بسخاء ونزاهة وشرف ليله بنهاره ولا يزال رعاه الله في قمة عطائه الوطني.

باختصار عرف عن هذا الرجل صناعته للسلطات والقيادات باحترافية نادرة ونفوذه القوي يعود إلى مصداقيته وحميمية علاقاته بمن عرفهم من رجال القبائل وقيادات وضباط وجنود الجيش اليمني ومؤسسات الدولة والمؤثؤين من وجاهات المجتمع.. وكلها أسباب آتت أكلها كما حدث مؤخراً في أسطورة الصمود والدفاع عن مأرب عمق وبيت الجمهورية وملاذها الحصين وأبرز قلاع اليمنيين الشامخة. إرتدى الفريق علي محسن الأحمر بعد تخليه عن موقع نائب رئيس الجمهورية معطف ملابسه المدنية الأسود(له دلالته في القوة والهيبة) كما ظهر في تهنئته لأعضاء قيادة مجلس الرئاسة لكنه لم يخلع بزته العسكرية، ولا تزال عيناه مكتحلتين بسواد سنوات السهر والأرق وسيواصل كفاحه الوطني الفذ غير مغمض العينين، وربما أكثر من قبل بانتظار بزوغ فجر آخر لبلاده ومواطنيه كرمز وطني أثير وقلعة شامخة من قلاع الجمهورية والحرية والخلاص من استبداد الكهنوت الذي حارب في شبابه أجدادهم في ثورة سبتمير ١٩٦٣ م ويواصل اليوم وغداً بعنفوان معركة قطع باقي أذنابهم على مشارف أل ٧٧ عاماً من عمره المديد والسعيد بأذن الله تعالى.


في الإثنين 11 إبريل-نيسان 2022 11:10:19 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://m1.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://m1.marebpress.com/articles.php?id=45871