عدن .. عاصمة اليمن الجديد ؟؟!!
دكتور/محمد لطف الحميري
دكتور/محمد لطف الحميري

تداولت عدد من المواقع الالكترونية اليمنية خبرا نشرته صحيفة خليجية بشأن ما قالت إن مسؤولين يمنيين كبار يبحثون إمكانية نقل العاصمة اليمنية صنعاء إلى مدينة عدن جنوب البلاد . وتقول الصحيفة إن المصدر الرسمي الذي سرب لها الخبر كشف أن سبب بحث هذه الفكرة على مستوى رفيع تقف وراءه أهدافا استراتيجية أولها إخماد الحراك الجنوبي والقضاء على دعوات الانفصال وثانيها وضع حلول إستباقية لشبح أزمة مياه كارثية تهدّد العاصمة الحالية بعد أن حذرت دراسات محلية ودولية من نضوب مياه حوض صنعاء خلال العشرين سنة القادمة .

ورغم نفي مصادر رسمية صحة ما تردد إلا أن الخبر المنشور قوبل بردات فعل متناقضة بين القراء فمنهم من رحب بالفكرة وزاد في سرد محاسن تبنيها من قبل رأس الدولة بل وطالب بتغيير العلم الوطني الذي لاتمت ألوانه الحالية لتراث اليمن وأمجاده وقيمته التاريخية بصلة لأنه من رموز القومجية التي أفل نجمها ، ومنهم من أبدى تحفظه لاعتبارات سياسية والبعض الآخر استبعد أن يكون هناك يمن بدون صنعاء لأنها حسب رأيه عاصمة الحضارة والتاريخ والأمجاد ، ولم تقتصر ردات الفعل على مجرد تعليقات القراء بل حفز الخبر عددا من الكتاب والأكاديميين لطرح رؤاهم التي جاءت في أغلبها مؤيدة لنقل العاصمة لأن اليمن في الوقت الحاضر بحاجة إلى إحداث ثورة لتغيير الإنسان اليمني وتغيير الصورة السلبية التي نمطه الآخرون بها وذلك ربما يتأتى بتغيير بيئة السلطة السياسية ونقلها إلى مكان يمكن لفضاءاته الجديدة أن تكون عاملا حيويا في قيادة التغيير وصنع تاريخ يمني جديد.

حقيقة الفكرة ليست جديدة فلقد راودت مناضلي الحركة الوطنية الذين غرسوا بذور الثورة الفعلية في عدن وأثمرت في صنعاء عام 1962 وكانت عدن بالنسبة لهم وأغلبهم من سكان محافظات شمالية مدينة معززة بقيم الحداثة والتنوع الثقافي واحترام سيادة القانون بينما كانت صنعاء مدينة يسكنها الإئمة بفكرهم المتخلف ومن حولها يتربص زعماء قبائل يوالون من يدفع أكثر إلا من رحم الله ويرون في الانصياع للقانون انتقاصا من كرامتهم ، إلا أن جعل فكرة عدن عاصمة اليمن الكبير واقعا حالت دونها عوامل سياسية واستعمارية قاهرة.

أما اليوم وقد توحد اليمن ودانت ربوعه للرئيس علي عبد الله صالح وتلك مسؤولية لم ينل شرف حملها أي حاكم يمني سابق فإن تبعات هذه المسؤولية تقتضي التفكير بجدية بشأن نقل العاصمة اليمنية إلى عدن وذلك للاعتبارات التالية :

- تمثل صنعاء عاصمة قريبة من مخاطر عدم الاستقرار ولذلك تنفق الدولة أموالا طائلة لإيجاد حزام أمني قوي يحمي رموز السلطة ولم تلق الدعوات المطالبة بإخراج المعسكرات من العاصمة أي استجابة بل تم استحداث أجهزة أمنية جديدة إلى درجة أن الزائر الأجنبي للعاصمة صنعاء يشعر وكأنه زار شعبا من العسكر وقد أثبتت الأحداث الأخيرة في بني حشيش صحة مقولة الرئيس التي يرددها دائما وهي أنه يجلس على رؤوس الثعابين ، وهذا يجعلني أجزم أن نقل كرسي حكمه إلى عدن سيجعله في منأى عن ذلك بل قد تصبح هذه الثعابين أليفة عندما تسافر مئات الكيلومترات وتبتعد عن فضاءات الفوضى ومخيال الحياة الثأرية .

- تعاني العاصمة صنعاء من مشاكل كبيرة في البنية التحتية وانفجار سكاني يقابله تضاؤل فرص التوسع واستيعاب ملايين آخرين من البشر حيث أصبحت العاصمة محاصرة بين جبلين أسودين الأمر الذي زاد من حدة الصراع على الأراضي وبسببها يسقط القتلى والجرحى بشكل مستمر وهذا يجعل عدن المكان الأنسب للتوسع العمراني والتطور الصناعي والسياحي حيث بإمكانها أن تستوعب نصف سكان اليمن بسبب موقعها الممتد من سواحل محافظة أبين وحتى لحج والضالع ، كما أن طبيعة ملكية الأراضي ستمكن الدولة من تنفيذ أي مخططات تنموية عصرية دون أي صعوبات تذكر وهذا مالم يتوفر في صنعاء والدليل على ذلك تلك الغارات القبلية التي تهاجم كل يوم عمال الشركات التي تنفذ مشروع مطار صنعاء الدولي الجديد مما أدى إلى تأخر انجازه في الوقت المحدد.

- لأن صنعاء مهددة بالجفاف فلن يكون باستطاعة الدولة بإمكانياتها المحدودة اللجوء إلى تقنية تحلية مياه البحر لتزويد السكان بالمياه الصالحة للشرب حيث أنها تبعد مئات الكليومترات عن البحر وترتفع عن سطحه بنحو ألفي وخمسمائة متر ولذلك فقد يجيئ يوم تصبح فيه صنعاء مدينة أشباح إضافة إلى ما قد يثيره ذلك الوضع من صراع لمن يرغب باستمرار العيش فيها.

- تتمتع عدن بمستقبل اقتصادي وسمعة دولية يجعلها في حال الاهتمام بها منافسا لعدد من مدن المال والأعمال والتجارة .

- اليمنيون منذ التاريخ القديم ليس لديهم عاصمة مقدسة بل إن أغلب مدنهم كانت عواصم لدول وهي لا تقل من حيث الأهمية التاريخية والحضارية عن صنعاء .

كل تلك الاعتبارات تبرر لصانع القرار السياسي بأن تكون عاصمة اليمن الجديد عدن ، أما من يرى أن الهدف من التفكير في جعلها عاصمة بديلة هو إخماد الحراك الشعبي في الجنوب و التصدي لدعاة الانفصال فأقول إن إرساء ثقافة المواطنة المتساوية وإنصاف المظلومين باسترجاع حقوقهم وتطبيق القانون كفيل بالقضاء على كل الهواجس السلبية وبدون وجود إرادة سياسية جدية لتعزيز قيم الدولة المدنية فلن ينفع أي إجراء تحديثي وسيبقى قانون الغاب هو المسيطر حتى لونقلنا العاصمة إلى باريس أو ستكهولم.

M_hemyari_y@yahoo.com


في الجمعة 01 مايو 2009 05:00:44 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://m1.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://m1.marebpress.com/articles.php?id=5224