قراءة في البعد الإستراتيجي لسيناريو استهداف الرئيس الصالح
د.طارق عبدالله الحروي
د.طارق عبدالله الحروي

في البد أود الإشارة إلى أن حقيقة ما حفزني للكتابة حول هذا الموضوع هو دقة وتعقيد و من ثم حساسية وأهمية المرحلة التي تمر بها سفينة وطن الـ22 من مايو العظيم وطاقم إدارتها المخلصين من عناصر وأنصار المشروع الوحدوي وفي مقدمتهم ربانها الرئيس على عبد الله صالح، الذي أصبح في السنوات الأخيرة هدفا محوريا في مرمى مجمل الحملات الإعلامية والسياسية والنفسية السلبية الممنهجة والمركزة؛ سواء أكان ذلك له علاقة بشخصه الكريم وما يحمله من نية صادقة ومخلصة لهذه الأمة، يلمسها الصغير قبل الكبير من أبنائها، بغض النظر عن كيفية ترجمتها على أرض الواقع، بحكم أن ذلك يخضع للعديد من الاعتبارات، احتراما منه لذاته ولإخوانه المخلصين معه -أولا- وتقديرا لتاريخها العظيم الذي مهد لنشؤ الحضارة الإنسانية في أول ملامحها الرئيسة وشاركت في ازدهارها- ثانيا- وإجلالا لشهدائها الأبرار ممن أنحبس الدمع كثيرا في مقلات عيونهم ورفضت أرواحهم أن تستكين منتظرة اليوم المشهود في الـ22من مايو العظيم بفارغ الصبر، كي ترتاح بعد ذلك- ثالثا- ورحمة ورأفة بأبناء هذه الأمة من ويلات الفوضى والضياع التي ما أن تبدأ لم ولن تفرق بين فرد أو جماعة أو وطن - رابعا- أو له علاقة وثيقة الصلة بتاريخه السياسي الحافل بالكثير الكثير من الإنجازات التي جعلت منه بحق مؤسس أول دولة مركزية يمنية على الخارطة السياسية للعالم في التاريخ الوسيط والحديث -على أقل تقدير- لدرجة أصبح بموجبها محط لأنظار الكثيرين في الداخل والخارج، وهو الأمر الذي أثار ضده منظومة متكاملة من الأحقاد والكراهية والأطماع المتنامية.

باعتبارها المقدمة المنطقية لكل الحملات الداخلية والخارجية التي تستهدف نواة ونموذج المشروع الوحدوي اليمني شعبا وأرضا وتاريخا، وصولا إلى استهداف الفكرة والمشروع الوحدوي العربي؛ من خلال السعي وراء محاولة تجاوز أو تجاهل معظم الحقائق المتجذرة عميقا في أرض الواقع اليمني وصولا إلى الواقع العربي ضمن إطار سياسة\" حرق المراحل\" المتبعة من قبلهم منذ فترة ليست بالقصيرة- التي لم ولن تستطيع أية جهة مهما كانت القفز عليها- في اتجاه هز ومن ثم تغيير قناعات الإنسان اليمني بتاريخه وصولا إلى الإنسان العربي، سواء بما قدمه من تضحيات أو تحقق له من منجزات عظيمة بحجم المساعي الكثيفة المبذولة في اتجاه تحقيق الوحدة الوطنية على مدار القرون الماضية و نجاحه في فرضها بقوة عام 1990م ومن ثم الحفاظ عليها طوال الـ19 عاما الماضية وصولا إلى ما ينتظره من أفاق واعدة بمشيئة الله و تضحيات أبنائه المخلصين، كمدخل مهم لا بديل عنه في اتجاه استهداف قياداته التاريخية وشخص الرئيس الصالح منها- بوجه خاص- وصولا إلى استهداف الوطن والإنسان والتاريخ والأمل والحلم العربي؛ من خلال السعي بقوة وراء زيادة حجم الفجوة القائمة بينها وبين فئات الشعب المختلفة وصولا إلى بث الروح الخائرة والمنهكة التي لا يحدوها أية أمال بغد مشرق قريب أو بعيد؛ جراء فقدانها التدريجي الأمل بالله الذي بدونه لن ولم نستطيع العيش حتى ليوم واحد.

ومما لا شك فيه إن هذا المخطط الجهنمي الخبيث تدار معظم حلقاته الرئيسة من خارج البلاد، من قبل عناصر وأنصار المشروع الانفصالي المحلي (والإقليمي وكذا الدولي) أينما كانوا في السلطة أو خارجها سواء أولئك الذين جاهروا بما تختلج به أنفسهم من كراهية ممقوتة وأحقاد دفينة و من ثم أطماع أزلية غير مشروعة تسعى وراء تغليب مصالحها الذاتية والفئوية والمناطقية والطائفية على حساب المصلحة العليا للبلاد، أم أولئك الذين سبقت نياتهم السيئة أقوالهم وأفعالهم، لكنهم مازالوا يخفون رؤوسهم دون أجسادهم مرة ورؤوسهم وأجسادهم مرة ثانية في المنطقة الرمادية شديدة الضباب مثلما يتصورون- كما تدفن النعام رؤوسها في الوحل - بحيث ظلوا يمارسون سياسيات النفاق والإثراء الفاحش والنهب والاختلاس المنظم للمال العام غير عابئين بما يحيط بالأمة والوطن من تحديات خطيرة جمة، حتى مع تزايد نسبة التوقعات التي تؤشر إمكانية حدوث انهيار مدوي للكيان القومي للدولة.

والثابت في هذا الأمر إننا أمام محاولات مستميتة لعناصر وأنصار المشروع الانفصالي في اتجاه دفع الرئيس الصالح للخروج عن صمته والحكمة والحلم اللذان جُبل عليهما، والوقوع في الشرك المميت الذي اعد له-عن سبق إصرار وتعمد- بدقة وإحكام لاختتام تاريخه السياسي بما يسئ له ولمن بعده-أو يصعب عليه الأمر كثيرا- في حال ما إذا لجا إلى تغليب العامل الأمني-العسكري على العوامل الأخرى، بصورة تفضي إلى استخدام مفرط للقوة-حتى لو كانت مشروعة- أثناء معالجة بعض القضايا العالقة قبل أن يسعى وراء حسم العديد من المسائل الشديدة الأهمية والأكثر ارتباطا بمطالب أبناء شعبه-من جهة- وصولا إلى إعادة ترتيب أوضاع البيت الداخلي للنظام السياسي- من جهة أخرى- بما يقطع الطريق- بضربة واحدة- أمام خصومه السياسيين وأعداءه في الداخل والخارج، باعتبار أن ذلك هي الخطوة الوحيدة القادرة على حسم المواجهة بكل عناوينها لصالح المشروع الوحدوي، لاسيما فيما إذا ما توج هذا الأمر بوضع كل شئ أمام الأمة، كي تختار بنفسها الجهة التي تمثلها و من ثم الأداة الملائمة لها للخروج من هذا المأزق التاريخي بأقل الخسائر الممكنة، لأنها الجهة الوحيدة القادرة على حسم هذا الخيار أو ذاك .

ولعل من نافل القول إن الدلائل التاريخية قد أصبحت واضحة للقاصي والداني على أن هذا السيناريو يحمل بين طياته أبعاد متعددة ذات طابع إستراتيجي، تبدأ بمحاولات الإساءة والتشكيك ومن ثم التشويه المنظمة لتاريخ الرئيس السياسي، وصولا إلى محاولة قلب الأوضاع الداخلية رأسا على عقب، في محاولة منها لوضع كافة العراقيل أمامه التي تُحول دون تفرغه-بصورة كلية- لمعالجة مجمل القضايا العالقة بما يليق بتاريخه السياسي، وبالتالي جره لدخول دائرة الفخ المميتة-كما أشرنا إليها آنفا- كي يختتم تاريخه السياسي بجريمة إنسانية ستظل فصولها ومن ثم أثارها دائرة حتى بعد خروجه من سده السلطة، باعتبار إن هذه المحاولات قد جاءت نتيجة لاستجابة ملحة لتلك الرغبة المقيتة التي أعمت أعين الكثيرين من أعداءه وخصومه السياسيين في الداخل والخارج، لاسيما في حال ما أتضح لنا ماهية وطبيعة الجهات الخارجية التي تقف ورائها، في محاولة منها سواء لإرضاء هذه النزعة لدي قيادات الحركة الانفصالية التي خرجت من صفحات التاريخ الوطني المشرفة من أوسع الأبواب بعد أن تأمرت-وأوغلت في التأمر- على المصلحة العليا للأمة، كمدخل لكسب ثقتها وتعاونها في مخططاتها المتبعة إزاء اليمن ضمن إستراتيجية المحور الأمريكي-الغربي وحلفائه، أو لإرضاء تلك الرغبات الأزلية لها في تصفية بعض الحسابات والانتقام من القيادات التاريخية التي نجحت في الوصول إلى النصر الأعظم في الـ22 من مايو 1990م، وما مثله بروز هذا الكيان من قلب للمعادلة الإقليمية رأسا على عقب، وبالتالي من تهديد خطير لأدوار بعض الدول المحورية ضمن نطاق حدود منطقة غرب المحيط الهندي بدوائرها الأمنية الفرعية الثلاثة(الخليج العربي، البحر العربي، البحر الأحمر)، ومرورا بمحاولات قطع الطريق نهائيا أمام أية احتمالية حول إمكانية صعود العميد أحمد على عبدالله صالح إلى سدة السلطة خلفا لأبيه بانتخابات شرعية قادمة، على اعتبار أن محاولات التشويه والتشكيك بتاريخ الرئيس الصالح هي في أحد أهم مراميها محاولة لاستهداف شخصه ومستقبله السياسي الواعد بالخير لهذه الأمة في ضوء ما يمتلكه من نوايا وتوجهات تنبئ عن ميول حقيقية نحو إمكانية إرساء ومن ثم تجسيد دور دولة النظام والقانون المنشودة على يديه في أرض الواقع التي أرسى بعض أهم دعائمها الرئيس الصالح، سواء باعتباره النجل الأكبر للرئيس وواحد من صناع القرار في الدولة الحالية، أو من خلال السعي وراء محاولة تشويه تاريخه العملي في حال نجح المخطط الانفصالي في توريط الرئيس الصالح في حرب جديدة-لا قدر الله- بدأت بعض أهم معالمها الرئيسة تبرز في الأفاق، نظرا لما يمكن أن يترتب عنها من آثار وتداعيات سلبية متنامية على الواقع اليمني المتدهور في المدين القريب والمتوسط، بحيث يتوقع له أن يتحمل الجزء الأكبر فيها، باعتباره القائد العام للحرس الجمهوري، الذي ستؤكل إليه مهمة تحمل العبء الأكبر من تكاليف الحملة العسكرية- الأمنية فيها، وهو الأمر الذي يعني- في نهاية المطاف- شيئيين لا ثالث لهما الأول محاولة دمغ التاريخ السياسي للعميد أحمد على عبدالله صالح قبل تولي مقاليد الحكم بكارثة إنسانية تحتاج فترة طويلة كي تمحى من ذاكرة الأجيال والثاني توريطه-بصورة كلية- في هذه الحرب من حيث التزامه بضرورة استكمال فصولها حتى تحقيق كامل أهدافها، وبالتالي الحيلولة دون تسلمه لدفة القيادة في ظروف مستقرة وأمنه نسبيا سواء على مستوى السلطة أو الشعب بكل تياراتهما وأطيافهما المختلفة، وانتهاء باستهداف المشروع الوحدوي اليمني شعبا وأرضا وتاريخا الذي هو محور الارتكاز الحقيقي لمجمل عمليات الحراك الرئيسة تلك وصولا إلى استهداف فكرة المشروع الوحدوي العربي، التي تقودها دول المحور الأمريكي- الغربي وحلفائه.

وبين سيناريو استهداف الرئيس الصالح وصولا إلى نجله الأكبر واستهداف وطن الـ22 من مايو العظيم وصولا إلى فكرة المشروع الوحدوي العربي ستظل دائرتي الصراع الأزلية بين المشروعين الوحدوي والانفصالي تدور رحاهما بقوة متنامية- تبعا- لطبيعة كل مرحلة بذاتها، في حين سيبقى الجدل الحاد الدائر بين أنصارهما هو السمة المميزة على ماهية وطبيعة واقع خط سير الأحداث الرئيسة التي تعيشها البلاد.

وعودا إلى بدء نجد إن الوقت قد آن لإظهار كثيرا من الغيرة والنخوة العربية لمصالح هذه الأمة التي تحمل بين جنابتها نواة ونموذج المشروع الوحدوي العربي، وإن هذا الأمر يجب أن يصبح المصدر والحافز الرئيس بل المحوري لعناصر وأنصار المشروع الوحدوي تحت شعار\"نعمل بالممكن ولا ننسى الطموح\" كي يشحذون الهمم باستحضار مكمن القدرة والقوة لديهم في اتجاه العمل الجاد على تحويل ما تبقى من السنوات القلائل أمام الرئيس الصالح إلى سنوات حقيقية من البذل والعطاء والعمل الجاد والمثمر ومن ثم الإنجازات العظيمة التي سوف يلمس المواطن البسيط قبل الأخريين أثرها المادي والمعنوي، بدلا أن تبقى زمام الأمور خارج سيطرتها تتراوح ما بين ردود الأفعال الآنية المفتعلة والوهمية يتناوب علي إدارتها عناصر وأنصار المشروع الانفصالي باسم الوحدة وتحت رايتها، سواء باعتبارها الأداة الوحيدة الناجعة المتاحة أمام عناصر وأنصار المشروع الوحدوي، كي ترتقي رؤاها ومواقفها ليس إلى مستوى رد الفعل فحسب وإنما الفعل نفسه المساوي لها في القوة والمضاد لها في الاتجاه، نظرا لأنها الطريق الوحيد الذي لا بديل له لتتويج مسيرة رجل من رجال هذه الأمة نذر الجزء الأكبر والمهم من حياته لها بقدر ما أستطاع إلى ذلك سبيلا، وتكريما له ولكل من أخلص النية والعمل لله ثم للوطن على تحمل تبعات الوصول بالحلم الأكبر لهذه الأمة على مدار القرون الماضية إلى النصر الأعظم يوم الـ22 من مايو العظيم، منتصرا بذلك لكل طفل وطفلة فقدت أباها وأم ترملت أو أب ضحى بزهرة شبابه قابعا وراء قضبان السجون المظلمة منتظرا اليوم المشهود الذي ترفرف فيه راية وطن الـ22من مايو العظيم عالية وخفاقة على أرجائه، وسينتصر بمشيئة الله ومعه كل المخلصين المؤمنين بهذه الأمة وقدرها في تأمين وصول السفينة إلى بر الأمان المنشود .

والله من وراء القصد


في السبت 08 أغسطس-آب 2009 07:36:23 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://m1.marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://m1.marebpress.com/articles.php?id=5674